
لم يقتصر احتفال إعلان البطريرك إلياس الحويك طوباوياً في الديمان على البعد الديني والوطني، بل حمل بين تفاصيله ومشاهده سلسلة رسائل سياسية وعائلية، عكست تبدلات لافتة في قضاء بشري، وأظهرت تناقضاً بين الحضور المتألق لبعض الشخصيات والغياب الشعبي والتنظيمي الخافت لحزب “القوات اللبنانية”.
المشهد الأبرز تمثل بعودة السيدة دنيز طوق إلى بشري من الباب العريض، بعدما تولت عبر شركتها “Denise Tauk Events” تنظيم المناسبة الاستثنائية، عقب سنوات من ابتعادها عن تنظيم “مهرجانات الأرز الدولية” على خلفية الخلاف مع شقيقتها النائب ستريدا طوق جعجع. وقد شوهد الرئيس جوزاف عون والسيدة الأولى نعمة عون وهما يقدمان لها التهنئة والثناء على الجهد المبذول.
وعلى المقلب العائلي والسياسي، لفتت الأنظار حرارة اللقاء بين ستريدا جعجع وابن عمها النائب وليم طوق، إذ تبادل الطرفان التحيات والقبلات أمام الكاميرات، على الرغم من الاتهامات السياسية السابقة التي وجهتها ستريدا إلى طوق، ووصفه بأنه “حصان طروادة” لحزب الله في بشري.
ورأى متابعون أن مشهد المصالحة العلنية قد يشكل بداية تراجع عن خطاب التحريض السياسي داخل القضاء، بعدما أدت الخلافات والاتهامات المتبادلة إلى زيادة الانقسام بين أبناء العائلة والمنطقة.
في المقابل، سُجل حضور شعبي وتنظيمي باهت لحزب “القوات اللبنانية”، على الرغم من إقامة الاحتفال في الديمان، ضمن قضاء بشري الذي يُعد المعقل السياسي الأبرز للحزب.
ولم تظهر أي عملية حشد شعبي واسعة، فيما بدا دخول رئيس حزب “القوات” سمير جعجع وزوجته إلى ساحة الاحتفال خافتاً، واقتصرت الهتافات المرحبة بهما على عدد محدود من الحاضرين، بخلاف ما اعتاد الحزب إظهاره في مناسبات سابقة داخل القضاء.
كذلك، لم ترصد الكاميرات أي لقاء حار بين رئيس الجمهورية وجعجع وعقيلته، فيما بدت تحيات عون مع عدد من السياسيين الآخرين أكثر حرارة وودية. وكان جعجع قد توجه مباشرة إلى ساحة الاحتفال من دون المرور بالصرح البطريركي، حيث كان رئيس الجمهورية والبطريرك بشارة الراعي يستقبلان الشخصيات السياسية.
وامتدت الملاحظات إلى اللوحات الإعلانية المنتشرة على الطرقات، إذ رُفعت صور لستريدا وجعجع خلت من أي إشارة واضحة إلى البطريرك الحويك أو مناسبة التطويب، وبدت مخصصة لإبراز حضورهما السياسي.
في المقابل، رفع النائب وليم طوق لوحات تهنئ بتطويب الحويك، قبل أن يعقد لقاء داخل الصرح مع رئيس الجمهورية، بحضور البطريرك الراعي، ويقدم إلى عون هدية تذكارية مصنوعة من خشب الأرز.
وكان يُفترض أن يشكل الاحتفال فرصة أمام “القوات” لإظهار حضور شعبي وتنظيمي وإعلامي واسع، كما فعل الحزب خلال جنازة البطريرك مار نصر الله بطرس صفير، عندما استحوذ على المشهد. إلا أنه بدا هذه المرة أشبه بـ“ضيف خجول” في عقر داره، في وقت كان حضور شخصيات أخرى، من بينها جبران باسيل وسليمان فرنجية، أكثر وضوحاً على مستوى الحفل والتغطية الإعلامية.
ويطرح هذا المشهد تساؤلات عن أسباب الفتور القواتي حيال مناسبة ترتبط بشخصية أرست دعائم مشروع “لبنان الكبير”: هل يعود الأمر إلى الاختلاف مع إرث الحويك السياسي، في ظل العودة إلى إنعاش طروحات الفدرالية، أم إلى امتعاض ستريدا جعجع من الدور الذي تولته شقيقتها في تنظيم الحدث، ومن علاقاتها الجيدة مع الكنيسة والقصر الجمهوري، وسط خلاف عائلي ممتد منذ نحو عقد؟
في الحالتين، بدت البوصلة السياسية لـ“القوات” غائبة عن محطة وطنية ومسيحية مفصلية، ما يطرح سؤالاً حول كيفية وقوع الحزب الذي يقدم نفسه بوصفه الأكبر مسيحياً في مثل هذه الهفوات، وفي قلب ساحته السياسية والشعبية.




