
حذّر الرئيس السابق لشعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، تمير هايمان، من تآكل متسارع في الدعم الشعبي والسياسي لإسرائيل داخل الولايات المتحدة، معتبرًا أن “شبكة الأمان” التي منعت عزلها وفرض عقوبات عليها بدأت تختفي، في وقت تراهن فيه جهات إسرائيلية على شخص واحد في البيت الأبيض وعلى احتمال وصول ماركو روبيو إلى الرئاسة، وهو ما وصفه بـ”الرهان الخطير جدًا”.
وبحسب مقابلة أجراها الصحافي نداف إيال مع هايمان، خلال افتتاح مؤتمر الأمن القومي الذي نظّمته صحيفتا “واي نت” و”يديعوت أحرونوت” بالتعاون مع معهد دراسات الأمن القومي، فإن الرأي العام الأميركي يتخذ اتجاهًا أكثر سلبية تجاه إسرائيل، بعدما انتقلت مواقف كانت تُعد متطرفة وهامشية داخل الحزب الديمقراطي إلى قلب التيار العام، بالتوازي مع صعود اتجاه مشابه داخل جزء من الحزب الجمهوري يقوده نائب الرئيس جي دي فانس.
وقال هايمان: “شبكة الأمان التي كانت تحمينا من العقوبات تتلاشى”، موضحًا أن هذه الشبكة استندت تاريخيًا إلى تعاطف عميق مع إسرائيل داخل المجتمع الأميركي، تجسّد في دعم من الحزبين، وأفشل كل محاولة لتحويلها إلى دولة معزولة وخاضعة للعقوبات.
وأضاف: “نحن مثل لاعب سير يسير فوق حبل رفيع، ونوسّع حدود المواجهة بصورة كبيرة في وقت تختفي فيه هذه الشبكة”.
ولفت هايمان، الذي يشغل منصب مدير معهد دراسات الأمن القومي، إلى أرقام وصفها بالمقلقة لدى الأميركيين الذين تقل أعمارهم عن 50 عامًا، قائلًا إن 86% من الديمقراطيين في هذه الفئة العمرية يحملون رأيًا سلبيًا تجاه إسرائيل، فيما تبلغ النسبة لدى الجمهوريين 56%.
وأضاف أن أكثر من نصف المسيحيين الإنجيليين ضمن هذه الفئة العمرية يتبنون أيضًا موقفًا سلبيًا، محذرًا من أن هذا التحول سينعكس مستقبلًا داخل ممرات السلطة في واشنطن، لأن هؤلاء سيكونون النواب وأعضاء مجلس الشيوخ وصناع القرار في المرحلة المقبلة.
وقال: “الدعم لإسرائيل بينهم يتراجع، وفي المقابل يتصاعد التأييد للرواية الفلسطينية”، مضيفًا أن الصورة ستكون أكثر سوءًا لو جرى حصر القياس بمن هم دون 30 أو 25 عامًا، ومؤكدًا: “نحن نخسر جزءًا من المجتمع الأميركي”.
وأوضح هايمان أن وضع إسرائيل لا يزال جيدًا داخل الجيش الأميركي، إذ يوجد جيل من القادة العسكريين يُعجب كثيرًا بالقدرات الإسرائيلية، لكنه حذّر من هشاشة الوضع السياسي، قائلًا: “في البيت الأبيض نعتمد على شخص واحد، وكثيرون في إسرائيل يراهنون على مستقبل العلاقات مع الولايات المتحدة من خلال ماركو روبيو، الذي لم يفز حتى الآن في الانتخابات التمهيدية للترشح للرئاسة. هذا رهان خطير جدًا”.
وتطرق إلى الأسباب الداخلية التي ساهمت في هذا التحول الأميركي، معتبرًا أن الولايات المتحدة تواجه مشكلات أخلاقية وقيمية عميقة، ولا سيما داخل تيارات ما وصفه بـ”اليسار المفرط في ثقافة الووك”.
وقال إن هناك محامين يتخصصون في حقوق الكلاب أكثر من حقوق البشر، وإن ظواهر غريبة كثيرة أسهمت في خلق رد فعل معاكس، مضيفًا أن الفئة التي باتت تملك أقل فرص الازدهار، وفق هذا الخطاب، هي الرجل الأبيض البروتستانتي المسيحي.
وأوضح أن الأزمة المرتبطة بهوية الولايات المتحدة لا تتصل بإسرائيل وحدها، بل بمشكلات داخلية أميركية، إلا أن حملات ممولة بكثافة استغلت هذا الشرخ وربطت المستقبل القومي للولايات المتحدة بالرواية الفلسطينية.
واتهم هايمان قطر بتمويل عدد كبير من المنصات الإعلامية والأنشطة داخل الجامعات، معتبرًا أن أطرافًا أخرى انضمت إلى هذا المسار بعدما وجدت انقسامًا يمكن استغلاله.
وأشار إلى أن إسرائيل تواجه مشكلة أيضًا داخل اليمين الأميركي، موضحًا أن رد الفعل على اليسار التقدمي أفرز كراهية للأجانب والمهاجرين، ورغبة في العودة إلى قومية بيضاء بروتستانتية، تكون فيها الكنيسة البيضاء والصليب في مركز البلدة.
وقال إن اليهود يُنظر إليهم داخل أجزاء من اليمين الأميركي المتشدد بوصفهم عنصرًا معاديًا، وإن بعض الجهات تعلن صراحة أن إسرائيل عدو للولايات المتحدة، وتستخدم تجاه اليهود مصطلحات لا تختلف، بحسب تعبيره، عما كان سائدًا في ألمانيا خلال ثلاثينيات القرن الماضي.
وأضاف: “في أوساط اليمين هناك كراهية لليهود ومعاداة للسامية، وفي أوساط اليسار هناك كراهية لإسرائيل وللصهيونية، وهذا يتصاعد لدى الشباب”.
وحذّر من أن هذا الواقع يهدد أيضًا الجيل الشاب من اليهود المؤيدين لإسرائيل، مشيرًا إلى وجود أبناء يخشون القول إنهم صهاينة، بعدما باتت الصهيونية في الولايات المتحدة تُعامل كمرادف للفاشية ولأسوأ الأفكار التي يمكن تخيلها.
وقال إن كثيرين باتوا يخجلون من صهيونيتهم رغم استمرار حبهم لإسرائيل.
ورغم هذا المشهد، شدد هايمان على ضرورة عدم التخلي عن الرأي العام الأميركي، داعيًا إلى إعادة التواصل مع الجمهور الواسع المؤيد لإسرائيل، وخصوصًا اليهود الذين قال إن إسرائيل تتخلى عنهم لأن معظمهم ليسوا أرثوذكس.
وأكد أهمية هذه الجالية، داعيًا أيضًا إلى تقديم رؤية سياسية تعيد صورة إسرائيل بوصفها دولة صغيرة ومبتكرة تسعى إلى السلام والأمن، وتريد فرض النظام لا تحطيم أعدائها.
وطالب بتقديم مسار أو حل ما للصراع الإسرائيلي الفلسطيني يمنح قدرًا من الأمل، موضحًا أن إقامة دولة فلسطينية غير قابلة للدفع بها حاليًا، إلا أن الأهم هو إعلان ما الذي تريد إسرائيل فعله.
كما شدد على أن العالم لا يقتصر على الولايات المتحدة، وأن هناك أوروبا التي قال إن إسرائيل تخلت عنها في المجال الأمني، رغم كونها جزءًا من النسيج الاقتصادي والثقافي والأمني الأوروبي.
وتطرق هايمان، الذي يخدم في الاحتياط داخل شعبة الاستخبارات وشارك بدور مركزي في عملية “زئير الأسد”، إلى التقارير التي تحدثت عن هجوم أميركي واسع على إيران جرى إلغاؤه في الوقت الراهن.
وقال إنه ما لم تتوافر نتيجة حقيقية وملموسة وقادرة على تغيير الواقع، ويقتنع الرئيس دونالد ترامب ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بأنها تستحق الثمن، فإن البحث سيتجه نحو خيار آخر.
وأضاف: “ما طُرح كان مجرد المزيد من الشيء نفسه”.
وتابع أن كل من يعرف الإيرانيين يدرك أن ضربة نارية هدفها إيلامهم لن تدفعهم فجأة إلى التراجع والانحناء وقبول ما رفضوه حتى الآن، معتبرًا أن الثمن الذي يمكن دفعه مقابل ضربة بلا جدوى لا يستحق، وأن مسألة مخزون صواريخ الاعتراض أضيفت أيضًا إلى هذه الحسابات.
وقال هايمان إن إسرائيل تراقب دائمًا “ساعتين” و”احتمالين”: سقوط النظام الإيراني، أو تحوّل إيران إلى دولة نووية، والسؤال هو أيهما سيحدث أولًا.
وأضاف: “بحسب تقديري، إسرائيل لن تقبل تجاوز خط معين في تطور البرنامج النووي، ولن نحدده الآن. إيران لا تقف مكتوفة الأيدي، وتقوم بخطوات في هذا المجال أيضًا”.
ورأى أن مصير مثل هذه الأنظمة هو السقوط في نهاية المطاف، لكن السؤال يبقى ما إذا كانت إيران ستحصل قبل ذلك على ما وصفه بـ”وثيقة التأمين النهائية للأنظمة الاستبدادية”، أي القنبلة النووية.
وفي مقابلة ختامية مع الصحافية شارون كيدون، ضمن تقييم للموقف أجراه معهد دراسات الأمن القومي، عاد هايمان إلى ملف العلاقات الخاصة مع الولايات المتحدة، معتبرًا أنه أحد أبرز التحديات التي ستواجه إسرائيل خلال السنوات المقبلة.
وحذّر من أن تراجع الدعم الأميركي قد يصعّب على إسرائيل التعامل مع التهديد الإيراني، والقضية الفلسطينية، والتحديات الاقتصادية والدولية.
وقال إن صورة الوضع الإسرائيلي معقدة ولا يمكن وصفها بأنها سلبية أو إيجابية فقط، موضحًا أن هناك منظومة مشحونة بكثير من الطاقة، تتضمن جوانب إيجابية وأخرى سلبية، وأن كل شيء يتحرك ويتغير.
وأشار إلى أن حركة حماس تعمل على استعادة قدراتها في الساحة الفلسطينية، فيما تسيطر إسرائيل على أجزاء واسعة من قطاع غزة.
وفي الجبهة الشمالية، قال إن “حزب الله” لا يزال موجودًا، لكن وضعه تغيّر، فيما تراجعت إيران في ملف برنامجها النووي، لكنها ما زالت تشكل تهديدًا.
وأضاف أن المواد والأدوات اللازمة موجودة، لكن المطلوب هو توجيهها نحو رؤية أوسع للأمن القومي، لا تقتصر على الجانب العسكري، بل تشمل المسارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
وحدد 3 مستويات ينبغي لإسرائيل العمل عليها، أولها تقديم اتجاه قائم على المبادرة والرؤية والأمل، وثانيها بناء قدرة على التحرك في مختلف مجالات الأمن القومي وليس داخل الجيش فقط، وثالثها مواجهة الزخم الشعبوي.
وقال إن هناك مبادرات قد لا يتقبلها الجمهور الإسرائيلي جيدًا بعد 7 تشرين الأول، لكنها ضرورية ويجب تنفيذها.
وعن إمكان توسيع “اتفاقيات أبراهام” لتشمل دولًا إضافية في المنطقة، قال هايمان إن هذا المسار استراتيجي بالنسبة إلى إسرائيل، مؤكدًا أن دمجها في الشرق الأوسط سيساعد المنطقة على التعامل بصورة أفضل مع التحديات العالمية.
ودعا إسرائيل إلى تغيير الانطباع السائد في بعض دول المنطقة بأنها عامل زعزعة، معتبرًا أن هذا التصور خاطئ، وأن هدف إسرائيل ليس تقويض الأمن القومي للدول الأخرى، بل إن ذلك يتناقض مع مفهومها الأمني.
لكنه شدد على أن الوصول إلى اتفاقات أوسع يتطلب خطوات سياسية تدريجية، وقال إن إسرائيل لا تستطيع بلوغ نهاية المسار بسبب الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، إلا أن دول المنطقة تطالبها على الأقل بتقديم اتجاه وإظهار استعداد للتحرك نحوه.
واقترح البدء باتفاقات مرحلية، قائلًا: “اتفاق أمني في سوريا، واتفاق في لبنان، وخطوات صغيرة تظهر أنكم لا تريدون تقويض حدود الشرق الأوسط”.
وعندما سُئل عن التهديد الأهم الذي يجب أن تنتبه إليه إسرائيل، عاد هايمان إلى ملف العلاقات مع الولايات المتحدة، محذرًا من “هاوية جيلية” وفقدان الدعم الحزبي، وربما أيضًا الدعم اليهودي داخل أميركا.
وقال إن إسرائيل، من دون الدعم الأميركي والغطاء الذي يوفره، لا تعرف كيف تتعامل بصورة جيدة مع الملف النووي الإيراني، سواء من الناحية العملياتية أو الأمنية.
وأضاف أن الساحة الفلسطينية والاقتصاد الإسرائيلي يتأثران أيضًا بالعلاقة مع واشنطن، لأن إسرائيل مرتبطة بمنظومة التكنولوجيا العالمية والأميركية.
وحذّر من أن الشرخ الأول قد يبدأ من هذا القطاع، مثل حجر دومينو أول، ثم يؤدي إلى صعوبة في مواجهة بقية التحديات.
وأوضح أن كل تهديد منفرد لا يشكل بالضرورة خطرًا وجوديًا، لكن اجتماع هذه التهديدات قد يصنع وضعًا شديد التعقيد.
وقال: “نحن نتعامل مع كل واحد منها بصورة جيدة جدًا، لكن إذا غاب هذا الغطاء، فإن اجتماعها قد يخلق وضعًا بالغ الخطورة”.
وعن العلاقات الجيدة حاليًا بين نتنياهو وترامب، رأى هايمان أن هذا الواقع قد يحجب الخطر المستقبلي، مضيفًا: “المشكلة أننا لا نشعر به، لأن الوضع الحالي جيد مع البيت الأبيض، لكن علينا النظر إلى مدى أبعد، حيث تبدو الصورة شديدة الخطورة، ويجب التعامل معها الآن، ولا يمكن الانتظار إلى اليوم التالي”.
وبذلك، لا يقتصر تحذير هايمان على تراجع عابر في شعبية إسرائيل، بل يرسم صورة لتحول جيلي وسياسي أعمق داخل الولايات المتحدة، قد يحرمها تدريجيًا من الغطاء الذي بنت عليه جزءًا أساسيًا من أمنها وقدرتها على مواجهة إيران وبقية أزمات المنطقة.




