
رفع رئيس الهيئة التنفيذية في حركة “أمل” مصطفى الفوعاني سقف الموقف من المسار السياسي المتصل بالجنوب، مؤكدًا رفض الحركة أي مفاوضات سياسية مباشرة مع إسرائيل، ومحذرًا من أن ما يُعرف بـ”المناطق التجريبية” قد يؤسس لوقائع سياسية وأمنية تمس حقوق لبنان وسيادته.
وخلال كلمة ألقاها في الذكرى الثالثة لوفاة الحاجة سكنة خليل علاء الدين “أم علي”، في حسينية السيدة الزهراء في بيروت، شدد الفوعاني على أن لبنان “لم ينتصر يومًا بالرهانات الخارجية، وإنما انتصر بإرادة أبنائه ووحدتهم الوطنية”.
ورأى أن المرحلة الراهنة تفرض أعلى درجات الوعي والتمسك بالثوابت الوطنية، مشيرًا إلى أن رئيس مجلس النواب نبيه بري يضع في رأس الأولويات تثبيت وقف إطلاق النار، ووقف الاعتداءات الإسرائيلية، وتحقيق الانسحاب الإسرائيلي الكامل وغير المشروط من جميع الأراضي اللبنانية.
واعتبر أن طرح أي مسارات سياسية أخرى قبل تحقيق هذه المطالب يشكل، وفق موقف الحركة، التفافًا على الحقوق الوطنية ومحاولة لفرض وقائع جديدة بقوة الوجود العسكري الإسرائيلي.
وأكد الفوعاني أن لبنان لن يقبل الدخول في مفاوضات سياسية مباشرة مع إسرائيل، ما دامت العمليات العسكرية وعمليات القتل والتدمير والتهجير مستمرة، معتبرًا أن محاولة دفع لبنان نحو اتفاق سياسي مباشر أو فرض مسارات تتجاوز ثوابته تحمل خطرًا على المصلحة الوطنية.
وقال إن حركة “أمل” تتعامل بحذر شديد مع المسار السياسي القائم، ولا تبني موقفها على الوعود، بل على الوقائع الميدانية ومدى التزام إسرائيل بما يترتب عليها من انسحاب ووقف للعمليات العسكرية.
وفي هذا السياق، أعلن رفض الحركة لمشروع “المناطق التجريبية”، معتبرًا أنه يحمل مخاطر سياسية وأمنية، وقد يؤدي إلى تكريس ترتيبات مجتزأة بدل تنفيذ انسحاب إسرائيلي كامل من الأراضي اللبنانية.
وأضاف أن ما شهده أهالي زوطر الغربية خلال عودتهم وتفقدهم منازلهم يشكل، من وجهة نظر الحركة، دليلًا على صحة التحفظات التي سبق أن أبدتها بشأن هذه الآلية.
وكان الجيش اللبناني قد بدأ الانتشار في زوطر الغربية ضمن أولى مراحل ترتيبات “المناطق التجريبية”، بالتزامن مع انسحاب إسرائيلي من أجزاء من البلدة، فيما عاد عدد من السكان لتفقد منازلهم وسط دمار واسع وإجراءات أمنية مشددة. وتقوم الآلية على انسحاب إسرائيلي مرحلي وانتقال المسؤولية الأمنية إلى الجيش اللبناني في مناطق محددة، قبل توسيع التجربة إلى بلدات أخرى.
وشدد الفوعاني على أن المرونة التي أبداها بري خلال المراحل السابقة هدفت إلى تثبيت وقف إطلاق النار، وحماية اللبنانيين، وتأمين عودة أبناء القرى الحدودية إلى منازلهم، ولم تكن مدخلًا للتنازل عن الحقوق أو تغيير طبيعة المواجهة مع إسرائيل.
وأكد أن أي خطوة لاحقة يجب أن تبقى مرتبطة بانسحاب إسرائيل، وعودة الأهالي، وتوفير ضمانات إقليمية ودولية تمنع تكرار الاعتداءات، إلى جانب التطبيق الكامل للقرار 1701 وتفاهم وقف الأعمال العدائية الذي أُعلن في تشرين الثاني 2024.
وكانت الأمم المتحدة قد رحبت بتفاهم وقف الأعمال العدائية بين لبنان وإسرائيل في 26 تشرين الثاني 2024، وطالبت الطرفين بتنفيذ التزاماتهما كاملة، واتخاذ خطوات فورية نحو التطبيق الشامل للقرار 1701.
كما دعا الفوعاني إلى تعزيز التنسيق بين المؤسسات الوطنية والحفاظ على وحدة الموقف الرسمي، معتبرًا أن التماسك الداخلي يشكل عنصر القوة الأساسي للبنان في مواجهة الضغوط والاعتداءات.
وقال: “وحدتنا الداخلية أمضى سلاح في مواجهة الاحتلال والعدوان”، مؤكدًا أن لبنان صنع ما وصفه بانتصاراته من خلال تضحيات شعبه ووحدته، وليس عبر التعويل على الخارج.
واعتبر أن المقاومة لم تكن مشروع فئة أو طائفة، بل تعبيرًا عن حق اللبنانيين في الدفاع عن الأرض والسيادة، مشددًا على أنها تتكامل، وفق رؤية حركة “أمل”، مع الدولة في حماية لبنان.
وأضاف أن دماء الشهداء في الجنوب والبقاع والضاحية وسائر المناطق التي تعرضت للاعتداءات تمثل عهدًا بالحفاظ على سيادة لبنان وحريته، معتبرًا أن المقاومة يجب أن تبقى عنصرًا للدفاع عن الوطن لا مشروعًا للانقسام بين اللبنانيين.
واستعاد الفوعاني مبادئ الإمام موسى الصدر، مؤكدًا أن مدرسة حركة “أمل” تقوم على اعتبار الإنسان القيمة الأعلى، والوحدة الوطنية الثروة الحقيقية للبنان، والعيش المشترك خيارًا تاريخيًا لا مجرد شعار سياسي.
وشدد على أن لبنان هو الوطن النهائي لجميع أبنائه، وأن الحفاظ على رسالته يتطلب التمسك بالشراكة الوطنية، وبناء دولة عادلة وقادرة، وصون المؤسسات واحترام الدستور، ورفض كل ما يهدد السلم الأهلي.
ورأى أن إسرائيل لا تستهدف طائفة أو منطقة بعينها، بل تستهدف لبنان بمختلف مكوناته، معتبرًا أن مواجهة الاعتداءات لا تتحقق إلا بوحدة اللبنانيين والتفافهم حول الدولة ومؤسساتها والجيش والحفاظ على ما وصفه بعناصر القوة الوطنية.
وختم بالتأكيد أن حركة “أمل” ستبقى متمسكة بنهج الإمام موسى الصدر وقيادة نبيه بري، وبخيار الدولة القوية والعادلة، معتبرًا أن الوفاء للشهداء يكون بحماية الوطن والعيش المشترك والدفاع عن سيادته واستقلاله.
وحضر التأبين رئيس المكتب السياسي لحركة “أمل” جميل حايك، وعدد من أعضاء المكتب السياسي والهيئة التنفيذية وقيادة إقليم بيروت، والنواب علي حسن خليل وأيوب حميد وأشرف بيضون ومحمد خواجة، ورئيس الجامعة الإسلامية في لبنان حسن اللقيس، إلى جانب فاعليات سياسية وأمنية واجتماعية وبلدية. واختُتمت المناسبة بكلمة للعائلة ومجلس عزاء حسيني.




