
بعد استحواذها على نحو 15 شركة تعمل في مجال التكنولوجيا الدفاعية بمئات ملايين الدولارات، معظمها إسرائيلية، انتقلت شركة “أونداس” الأميركية إلى المرحلة الأصعب: تحويل مجموعة من الروبوتات والطائرات المسيّرة والمستشعرات ومنظومات الاعتراض إلى قوة عملياتية مترابطة، تحت قيادة رئيس الموساد السابق دادي برنياع.
وبحسب تقرير للصحافي إيتام ألمادون في موقع “N12” الإسرائيلي، جمعت الشركة خلال حملة استحواذ سريعة مجموعة واسعة من التقنيات، تشمل طائرة مسيّرة ذاتية التشغيل تمسح الميدان من الجو، وآلية غير مأهولة تتقدم أمام الجنود، وكلبًا آليًا يتحرك إلى جانبهم.
وأعلنت الشركة، أمس الاثنين، تعيين برنياع رئيسًا لها ورئيسًا لمجلس إدارتها، في خطوة أضافت اسمًا بارزًا إلى هيكلها الإداري وعززت حضورها لاعبًا مثيرًا للاهتمام داخل الصناعات الدفاعية.
لكن الاختبار الأساسي لا يزال أمامها، ويتمثل في قدرتها على تحويل الشركات والتقنيات التي استحوذت عليها إلى منظومة عملياتية موحدة، بدل بقائها مجموعة منفصلة من الأدوات والقدرات.
وتُعد “أونداس” نموذجًا غير تقليدي، فهي شركة أميركية مقرها ولاية فلوريدا، وتُتداول أسهمها في بورصة “ناسداك” بقيمة تتجاوز 4 مليارات دولار، إلا أن إدارتها إسرائيلية، كما أن الغالبية الساحقة من الشركات التي تسيطر عليها إسرائيلية أيضًا.
ومن بين الشركات التي استحوذت عليها “أونداس”: “إيروبوتيكس”، و”روبوتيم”، و”سنتريكس”، و”بيرد”، و”أومنيسيس”.
ومنحت هذه الاستحواذات الشركة معظم العناصر المطلوبة لبناء قوة ذاتية التشغيل، من الطائرات غير المأهولة والروبوتات الأرضية ووسائل الرصد والبصريات، إلى منظومات الدفاع ضد المسيّرات وتطهير الألغام وبرامج إدارة المهمات.
وتقوم رؤية الشركة على جمع هذه القدرات ضمن منصة واحدة لإنتاج قوة عملياتية منسقة، في مفهوم تطلق عليه اسم “منظومة المنظومات”، ويتلاءم مع المتطلبات التي يضعها الجيش الأميركي حاليًا.
وقالت نائبة رئيس الشركة لشؤون التكنولوجيا وكبيرة مهندسيها الدكتورة يهوديت هوخرمان فرومر، في حديث إلى “N12″، إن “ساحة المعركة المستقبلية موجودة بالفعل”.
وأوضحت أن الحربين في أوكرانيا وإسرائيل كشفتا اتجاهين متوازيين، أولهما أن المنظومات الرخيصة والفتاكة أصبحت متاحة تقريبًا لأي جهة، وثانيهما التطور السريع في مجالات الذكاء الاصطناعي والاستقلالية والروبوتات.
وأضافت: “قدرات كانت في الماضي حكرًا على القوى العظمى أصبحت اليوم في متناول الجميع”.
وأشارت إلى نشوء حالة من عدم التوازن بين الأسلحة النوعية المتوافرة بأعداد محدودة، والمنصات الرخيصة والبسيطة التي يمكن إنتاجها واستخدامها بكميات كبيرة.
وبناءً على ذلك، تبحث الجيوش الغربية عن تفوق تكنولوجي، بالتوازي مع امتلاك القدرة على مواجهة كميات ضخمة من التهديدات، من خلال ذخائر منخفضة الكلفة ووسائل إنتاج متقدمة ومنظومات قادرة على إدارة عدد كبير من الأدوات في وقت واحد.
ويشكّل الدمج بين الجنود والروبوتات ذاتية التشغيل أحد أبرز المجالات التي تستثمر فيها “أونداس”، إذ تعمل الشركة على ربط مركبات آلية وكلاب روبوتية وأذرع ذكية يمكن تشغيلها عن بُعد وتنفيذ مهمات في بيئات خطرة.
وقالت هوخرمان فرومر، التي سبق أن شغلت منصب نائبة رئيس عليا للبحث والتطوير في شركة “رافائيل”: “نتوقع رؤية روبوتات تفتح الطرق وتعالج العبوات قبل دخول القوة المأهولة، أو تتحرك إلى جانب القوة وتوفر لها مظلة حماية”.
ومن بين المهمات التي يجري اختبارها تطهير المناطق من الألغام، إذ تمسح طائرة مسيّرة الأرض، ثم تتقدم آلية روبوتية نحو النقطة المشتبه بها، قبل أن يتولى كلب آلي فحصها من مسافة قريبة.
ويمكن استخدام أدوات مماثلة لنقل الإمدادات وإجلاء الجرحى من مناطق القتال.
وقالت هوخرمان فرومر: “كانت الحرب في أوكرانيا أول حرب للطائرات المسيّرة، فيما أدخلت الحرب في غزة الأدوات الروبوتية بصورة كبيرة لدعم القوات الهندسية والقوات البرية”.
ورغم مستوى الاستقلالية الذي ستتمتع به هذه المنظومات، تؤكد الشركة أن الإنسان سيبقى حاضرًا في عملية اتخاذ القرار.
فالآلية ستتمكن من التنقل بصورة مستقلة، وسيعمل الذكاء الاصطناعي على اكتشاف الحالات غير الطبيعية واقتراح الأهداف والتوصية بالإجراء المناسب، إلا أن الجندي سيبقى مسؤولًا عن إعطاء الموافقة النهائية على تنفيذ الهجوم.
وقالت هوخرمان فرومر: “لا نريد الوصول إلى وضع تُتخذ فيه القرارات القاتلة بصورة مستقلة بالكامل”.
وتستثمر الشركة أيضًا بصورة أساسية في مجال الدفاع ضد الطائرات المسيّرة، ولا سيما مسيّرات “إف بي في” الفتاكة التي يستخدمها حزب الله.
ويزداد التحدي تعقيدًا عند التعامل مع المسيّرات التي تعمل بواسطة الألياف البصرية، إذ يمكن أحيانًا تعطيل الطائرات التقليدية عبر التشويش على الاتصالات أو أنظمة تحديد المواقع، في حين لا تتأثر مسيّرات الألياف البصرية تقريبًا بالحرب الإلكترونية.
كما تستطيع هذه الطائرات التحليق على ارتفاع منخفض والاقتراب من القوات من دون بث إشارات يسهل رصدها.
وقالت هوخرمان فرومر إن “الطبقة المنخفضة القريبة من الأرض لا تزال تحظى باستجابة جزئية”.
وأضافت أن الحل سيتطلب دمج الرادارات والبصريات والوسائل الصوتية وموجات الراديو، إلى جانب وسائل التعطيل التي تبدأ بالتشويش والهجمات السيبرانية، ولا تنتهي عند الاعتراض الحركي وأسلحة الطاقة.
ورأت أن التحدي المقبل سيتمثل في أسراب الطائرات المسيّرة ذاتية التشغيل، التي قد يكون رصدها أسهل، لكن تحييدها سيكون أكثر صعوبة بكثير.
وضمت حملة الاستحواذات عددًا من المنظومات التي تقدم تصورًا لشكل القوة العسكرية المستقبلية، وفي مقدمها منظومة “آيرون درون”، وهي طائرة اعتراض مسيّرة تستخدم الرؤية الحاسوبية للتعقب والالتحام بالطائرات الصغيرة وتحييدها ماديًا، من دون الاعتماد على التشويش على الاتصالات أو أنظمة تحديد المواقع.
كما تشمل منظومتي “بروبوت” و”روك”، وهما روبوتان ثقيلان طورتهما شركة “روبوتيم”، ويتمتعان بالقدرة على التحرك في الرمال والوحول والمناطق الصخرية، وحمل المعدات وإجلاء الجرحى.
ويتيح الذكاء الاصطناعي للروبوتين اكتشاف العقبات والاستمرار في الحركة من دون الحاجة إلى تلقي تعليمات في كل مرحلة.
وتضم المنظومات أيضًا روبوت “غولم ديتكتور” التابع لشركة “إم 4 ديفنس”، الذي يرصد الألغام والذخائر غير المنفجرة تحت الأرض.
وتعمل إلى جانبه طائرة مسيّرة للمسح وآليات حفر يجري التحكم بها عن بُعد، بهدف تقليص المخاطر التي يتعرض لها خبراء المتفجرات.
أما منظومة “سنتريكس”، فتعمل على تحديد نوع الطائرة المسيّرة وموقعها، ويمكنها، في الحالات الملائمة، السيطرة عليها وقطع اتصالها بمشغلها أو إجبارها على الهبوط في نقطة محددة.
ولا يتمثل الهدف في تشغيل كل منظومة بصورة منفردة، بل في دمج التقنيات ضمن حلول واسعة، تبدأ بشاحنة مزودة بطبقات متعددة من الحماية ضد المسيّرات، وصولًا إلى قوة تجمع أدوات غير مأهولة مع دفاعات جوية وبرية في الخطوط الأمامية.
وتعمل فوق هذه القدرات منظومة القيادة والسيطرة “لادوس”، التي تربط الطائرة المسيّرة والروبوت والمستشعرات ومنظومة الاعتراض ضمن “عقل” واحد.
وبموجب هذا النموذج، تتولى أداة اكتشاف التهديد، وتتقدم أداة أخرى نحوه، قبل أن تقدم المنظومة للمشغل توصية بشأن كيفية التعامل معه.
وسبق لـ”أونداس” أن فازت بعقود ومناقصات دفاعية في إسرائيل والولايات المتحدة، لكن عليها الآن إثبات أن حملة الاستحواذات ستنتج منصة متكاملة فعلًا، لا مجرد مجموعة من التقنيات المنفصلة.
وقالت هوخرمان فرومر: “استحوذنا على شركات ممتازة كل منها على حدة، لكن ربط قدراتها ضمن حلول منظومية متكاملة يخلق إمكانات لا نهائية”.
وبين قوة الاستحواذات وضخامة الطموح، يبقى نجاح “أونداس” مرهونًا بقدرتها على جعل الروبوت والمسيّرة والمستشعر ومنظومة الاعتراض يتصرفون كقوة واحدة، لا كترسانة متطورة تفتقر إلى العقل الموحد.




