سلايدات

“لا تنتظروا إعلان العداء”… تقرير إسرائيلي يطالب بالتحرك قبل فوات الأوان

لا تحتاج إسرائيل إلى انتظار إعلان تركيا والسعودية وباكستان أنها باتت عدوًا مباشرًا لها حتى تبدأ إعادة حساباتها الاستراتيجية. فالتحالف الدفاعي الجديد الذي يجمع الدول الثلاث، بما يملكه من قوة عسكرية واقتصادية وقدرات نووية، يثير في الأوساط الإسرائيلية تساؤلات تتجاوز النوايا المعلنة إلى حجم القوة التي يمكن أن يراكمها هذا المحور، ولا سيما إذا امتد تأثيره مستقبلًا إلى سوريا ولبنان.

وبحسب مقال للعقيد في الاحتياط أمير نوي، القائد السابق لخلية التنسيق العملياتي مع الجيش الأميركي والمحلل السياسي والأمني، نشره موقع “معاريف” الإسرائيلي، فإن على إسرائيل البدء منذ الآن في بناء توازن تحالفات مقابل، بدل انتظار أن يُصنَّف التحالف الذي وُقّع في مكة بين تركيا والسعودية وباكستان رسميًا كتحالف معادٍ لها.

ويرى نوي أن الدول لا تبني تحالفاتها فقط على أساس الأعداء الذين تعلن عنهم، بل انطلاقًا من مصالحها، والقدرات التي تجمعها، والسيناريوهات التي تريد أن تكون قادرة على التعامل معها.

ويشير إلى أن الاتفاق لا يتضمن في الوقت الراهن أي إعلان يعتبر إسرائيل عدوًا، إلا أن الاكتفاء بقراءة بنوده، برأيه، يعني تجاهل الصورة الأوسع.

وبحسب تقييمه، قد لا يكون التحالف موجهًا ضد إسرائيل، لكنه بالتأكيد تطور لا تستطيع تل أبيب تجاهله، لأن الفارق كبير بين النوايا والقدرات.

فتركيا، بحسب المقال، تدخل هذا التحالف بجيش كبير، وصناعة دفاعية متقدمة، ومسيّرات، وقوات جوية وبحرية، فضلًا عن طموحات إقليمية تتجاوز حدودها.

أما السعودية، فتضيف إلى المعادلة المال والطاقة والعمق الجغرافي والموقع الاستراتيجي في الخليج، في حين تأتي باكستان بجيش كبير وخبرة عملياتية، والأهم بقدراتها النووية.

ومن هنا، يرى الكاتب أن الأمر لم يعد مجرد منتدى إسلامي ينتهي بإصدار بيان ضد إسرائيل، بل بات يحمل إمكانية التحول إلى قوة عسكرية إقليمية ذات وزن فعلي.

ويلفت نوي إلى مفارقة تتمثل في أن التحالف قد يتطور مستقبلًا ليشكل عنصر ردع في مواجهة دولتين مختلفتين تمامًا: إيران وإسرائيل.

فإيران، بحسب المقال، هي الحالة الأكثر وضوحًا، إذ يجمع نظامها بين أيديولوجيا دينية ثورية وطموحات للهيمنة، إلى جانب الصواريخ والوكلاء والجماعات المسلحة والسعي إلى امتلاك قدرة نووية. ويشير إلى أن طهران عملت على مدى سنوات على نقل الصراع خارج حدودها، انطلاقًا من رؤية تعتبر الثورة والصدام مع خصومها جزءًا من مشروعها.

وبالنسبة إلى السعودية وتركيا، يرى الكاتب أن هناك أسبابًا حقيقية للقلق من إيران.

أما المفارقة الإسرائيلية، وفق المقال، فتكمن في أن إسرائيل لا تشكل تهديدًا للسعودية، ولا يوجد بينها وبين باكستان نزاع، كما أنها ليست في حالة حرب مع تركيا، إلا أنها تمتلك قدرة عسكرية تجعل أي اعتداء عليها مكلفًا للغاية بالنسبة إلى الطرف المهاجم، عسكريًا وبنيويًا واقتصاديًا.

وبالتالي، يرى نوي أن إسرائيل لا تقلق دول التحالف بسبب ما تريد فعله، بل بسبب ما تستطيع فعله إذا تعرضت للهجوم، معتبرًا أن هذا الفارق أساسي في فهم الحسابات الجديدة.

ويضع الكاتب تركيا في صلب هذه المعادلة، مشددًا على أن اتفاق مكة لا يمكن فصله عن التحركات التركية المتزامنة في المنطقة، ولا سيما تعميق أنقرة لنفوذها في سوريا.

وبرأيه، إذا جرى بناء الجيش السوري الجديد تحت تأثير تركي، ثم امتد هذا النفوذ مستقبلًا إلى لبنان، فقد تجد إسرائيل نفسها أمام فضاء استراتيجي ذي توجه تركي يمتد شمالًا وشرقًا.

ويضيف أن السيناريو لا يحتاج إلى تصور دبابات تركية عند الحدود الإسرائيلية، بل يكفي أن تؤثر أنقرة في دمشق وبيروت عبر السلاح والتدريب والاستخبارات والبنى التحتية والعلاقات السياسية.

ومن هنا، يضع الكاتب خط أنقرة – دمشق – بيروت كسيناريو أمني يجب على إسرائيل الاستعداد له والتعامل معه باعتباره احتمالًا مرجعيًا في حساباتها الأمنية.

لكن الرد الإسرائيلي، وفق نوي، لا يجب أن يكون حربًا، ولا إعلان تركيا دولة عدوة، ولا إقامة “تحالف ضد الإسلام”، بل بناء توازن جديد.

ويدعو إلى انتقال إسرائيل من مفهوم التحالف الواحد، أي الاعتماد بصورة أساسية على الولايات المتحدة، إلى مفهوم شبكة واسعة من التحالفات.

وتبقى الولايات المتحدة، بحسب رؤيته، الطبقة الاستراتيجية العليا لهذه الشبكة، بما توفره من استخبارات وفضاء وتكنولوجيا وسلاح وقدرات ردع، إلا أنه يدعو إلى إضافة طبقات أخرى إلى هذه المنظومة.

وتأتي الهند، بحسب المقال، كوزن استراتيجي مقابل باكستان، في ظل مصالح مشتركة في مجالات التكنولوجيا والاستخبارات والبحر ومواجهة الجماعات المسلحة.

أما اليونان وقبرص، فيراهما الكاتب طبقة متوسطية في مواجهة تصاعد القوة والطموحات التركية، فيما تمثل مصر والأردن الطبقة الأقرب جغرافيًا، باعتبار أن إسرائيل، وفق رأيه، لا تملك بديلًا من علاقات أمنية مستقرة مع جيرانها.

إلا أن نوي يدعو إسرائيل إلى التفكير أبعد من الشرق الأوسط، وتحديدًا باتجاه أميركا الجنوبية.

فبحسب المقال، تعاملت إسرائيل طوال سنوات مع أميركا اللاتينية باعتبارها ساحة دبلوماسية بالدرجة الأولى، إلا أن هذا النهج بات يحتاج إلى تغيير.

ويشير إلى أن إيران حاولت على مدى سنوات بناء موطئ قدم لها في النصف الغربي من الكرة الأرضية، وأن التفجيرات التي وقعت في الأرجنتين، إلى جانب علاقاتها بأنظمة معادية ومحاولاتها توسيع شبكات نفوذ وجماعات مسلحة، جعلت أميركا اللاتينية جزءًا من المواجهة مع طهران.

ويقول إن تحركًا جديدًا بدأ يظهر في هذا الاتجاه، إذ تعمل الأرجنتين في عهد خافيير ميلي على تعميق علاقاتها مع إسرائيل والولايات المتحدة، فيما أطلقت مع إسرائيل خلال عام 2026، بحسب المقال، “اتفاقات إسحاق”، الهادفة إلى تعزيز التعاون في مواجهة الجماعات المسلحة، ومعاداة السامية، والشبكات الإيرانية في النصف الغربي من الكرة الأرضية.

كما يشير إلى أن دولًا أخرى في المنطقة تبدي اهتمامًا بالتعاون مع إسرائيل.

ويقر الكاتب بأنه لا توجد حتى الآن كتلة أميركية جنوبية مؤيدة لإسرائيل، لكنه يعتبر أن الاتجاه الناشئ مهم، وأن في إمكان إسرائيل تقديم ما هو أبعد من المواقف السياسية لهذه الدول، عبر التعاون في مجالات الأمن والتكنولوجيا والطب والزراعة والطاقة والاستخبارات ومواجهة الجماعات المسلحة.

وبرأيه، يجب على إسرائيل تعزيز هذا المسار ليس لأسباب دبلوماسية فحسب، بل انطلاقًا من اعتبارات الأمن القومي أيضًا.

وفي ما يسميه نوي “مضاعف القوة الإسرائيلي”، يشير إلى أن إسرائيل لا تستطيع منافسة تركيا في عدد الجنود، ولا السعودية في المال، ولا باكستان في حجم القوة البشرية العسكرية، لكنها تستطيع أن تؤدي دورًا مختلفًا يتمثل في أن تصبح “العقل والعيون والجهاز العصبي” لشبكة أمن دولية.

ويعدد في هذا الإطار عناصر القوة الإسرائيلية: الاستخبارات، والأقمار الاصطناعية، والأمن السيبراني، والدفاع الجوي، والإنذار المبكر، وأنظمة مواجهة المسيّرات والصواريخ، والذكاء الاصطناعي، والحرب الإلكترونية، وأنظمة القيادة والسيطرة.

وبالتالي، يدعو الكاتب إسرائيل إلى بناء شبكة خاصة بها في مقابل محور أنقرة – الرياض – إسلام آباد، تشمل واشنطن ونيودلهي وأثينا ونيقوسيا والقاهرة وعمّان، وإضافة شركاء جدد في أميركا اللاتينية كلما أمكن ذلك.

ويرى أن العالم يدخل مرحلة تُبنى فيها التحالفات الجديدة بسرعة، وأن أي دولة لا تؤسس توازنها الخاص قد تكتشف، بعد فوات الأوان، أن البيئة الاستراتيجية المحيطة بها تبدلت بالكامل.

وفي الخلاصة، يعتبر نوي أن الصراع لم يعد محصورًا بالشرق الأوسط، بل بات يتعلق بتوزيع القوة في النظام العالمي الجديد.

وكما قسمت الحرب الباردة العالم إلى كتلتين، إحداهما بقيادة الولايات المتحدة والثانية بقيادة الاتحاد السوفياتي، يرى الكاتب أن العقود الأولى من القرن الحالي قد تشهد قيام تحالفات جديدة، قوية ومتعددة الأبعاد، وأنه كلما اكتسبت هذه التحالفات مضمونًا عسكريًا واقتصاديًا وتكنولوجيًا وسياسيًا حقيقيًا، زاد عدد الدول الراغبة في الانضمام إليها.

وفي النهاية، لن تكون الدول الأقوى وحدها هي التي تحدد شكل النظام العالمي المقبل، وفق نوي، بل قد يكون الطرف القادر على بناء شبكة التحالفات الأكثر قوة هو من يحدد مراكز النفوذ والقوة خلال الـ100 عام المقبلة، في قراءة تعكس حجم القلق الإسرائيلي من أن تتحول التحالفات الإقليمية الجديدة من تفاهمات سياسية إلى ميزان قوة يفرض قواعد مختلفة على المنطقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى