
في ظل استمرار الضغوط الاقتصادية والمعيشية في لبنان، وارتفاع أسعار السلع والخدمات، تتداخل عوامل محلية وخارجية في تحديد مسار الأسعار، بدءاً من التضخم العالمي وارتفاع كلفة الطاقة والنقل والتأمين، مروراً بالتوترات والحروب والأزمات الجيوسياسية، وصولاً إلى ضعف الرقابة على الأسواق وغياب المنافسة وارتفاع الأكلاف التشغيلية في الداخل.
وفي هذا السياق، يشرح مدير المركز الاقتصادي والاجتماعي للدراسات الاستراتيجية الدكتور أحمد جابر أبرز العوامل التي تقف خلف ارتفاع الأسعار، وانعكاساتها على القدرة الشرائية للمواطن، فضلاً عن تأثيرها على تحويلات المغتربين واتجاه المستثمرين والأفراد نحو الذهب باعتباره مخزناً للقيمة.
وقال جابر إن التضخم هو، في جزء كبير منه، تضخم عالمي ناتج عن العديد من الأسباب، منها أسباب بنيوية لها علاقة بالاقتصاد العالمي وضعف الاقتصادات وتراجع معدلات النمو.
وأوضح أن الظروف الجيوسياسية، ولا سيما الحروب والأزمات في الشرق الأوسط، ساهمت أيضاً في ارتفاع أسعار النفط، وبالتالي ارتفاع كلفة الطاقة، كما ارتفعت كلفة المواصلات والتأمين، لافتاً إلى أن هذه العوامل انعكست بصورة مباشرة على أسعار السلع.
وأضاف أن الظروف الجيوسياسية أدت كذلك إلى تغيير مسارات نقل السلع بين الدول، موضحاً أن هناك تحولات جغرافية في طرق نقل البضائع من مكان إلى آخر نتيجة هذه الظروف، الأمر الذي يضيف كلفة جديدة إلى عملية النقل ويؤثر في الأسعار النهائية للسلع.
لبنان يتأثر بالتضخم العالمي
وعن الوضع في لبنان، قال جابر إن لبنان، باعتباره جزءاً من الاقتصاد العالمي، لا يمكنه أن يبقى بمنأى عن هذه الموجة، وبالتالي يتأثر بالتضخم العالمي وبانعكاساته.
إلا أنه أشار إلى أن المشكلة في لبنان تكمن أيضاً في غياب الرقابة الكافية على الأسواق، معتبراً أن بعض التجار يسعون إلى تعظيم أرباحهم، وفي ظل غياب الرقابة يمكن أن يؤدي ذلك إلى رفع الأسعار بصورة عشوائية بهدف تحقيق مكاسب أكبر.
وأضاف أن كلفة الطاقة، وإن كانت قد ارتفعت عالمياً، إلا أن كلفة الطاقة في لبنان تضيف أعباء إضافية على المواطنين والقطاعات الاقتصادية، ولا سيما في ظل الاعتماد على مولدات الكهرباء.
وقال إن ارتفاع سعر المازوت المستخدم لتشغيل مولدات الكهرباء في القطاع الصناعي أدى إلى زيادة الأكلاف التشغيلية، مشيراً إلى أن ارتفاع الأسعار في لبنان يرتبط أيضاً بمحاولات زيادة إيرادات الدولة لمواجهة الأعباء المالية.
وأوضح أن هذه الزيادات تأتي في وقت ارتفعت فيه الأسعار أصلاً على المستوى العالمي، وبالتالي فإن رفع بعض الرسوم والأسعار محلياً بهدف زيادة إيرادات الدولة يؤدي إلى زيادة إضافية في الأكلاف، ويضغط على القدرة التنافسية للاقتصاد اللبناني، كما يزيد الأكلاف على المنتجين والتجار وينعكس في نهاية المطاف على أسعار السلع.
وأكد أن هذه العملية تؤثر بصورة مباشرة في القدرة الشرائية للمواطن اللبناني، الذي يجد نفسه أمام ارتفاع متواصل في كلفة المعيشة.
غياب المنافسة والاحتكار
وأشار جابر إلى أن غياب الرقابة ليس العامل الوحيد، بل هناك أيضاً حالات من الاحتكار وغياب المنافسة في بعض القطاعات، معتبراً أن هذه العوامل تساهم في ارتفاع الأسعار.
وقال إن وجود منافسة حقيقية في السوق يؤدي حتماً إلى التأثير في الأسعار، بينما يؤدي غيابها إلى زيادة قدرة بعض الجهات على رفع الأسعار.
وضرب مثالاً على ذلك قائلاً إن المواطن اللبناني يستطيع، عند انتقاله بين منطقتين أو حتى ضمن المنطقة الجغرافية نفسها، أن يجد المنتج ذاته بسعر معين لدى متجر، وبسعر أعلى لدى متجر آخر، معتبراً أن هذا التفاوت الكبير في الأسعار يعكس، في جزء منه، غياب الرقابة الكافية على الأسواق.
وشدد على أن وزارة الاقتصاد يجب أن تقوم بدورها في حماية المستهلك، وأنه في حال تعذر القيام بهذه المهمة بالقدرات المتاحة، فمن الضروري تعزيز التنسيق مع البلديات واتخاذ خطوات عملية لضبط الأسواق وحماية المواطنين.
وأضاف أن المواطن اللبناني أصبح اليوم مرهقاً نتيجة مجموعة كبيرة من الأزمات المتراكمة، من تداعيات الحرب الإسرائيلية على لبنان، إلى الوضع الاقتصادي المتردي والمزمن، مروراً بتراجع قيمة الليرة أمام الدولار، وغيرها من العوامل التي أثقلت كاهله.
تراجع التحويلات واتجاه نحو الذهب
وعن تداعيات التضخم وتراجع النمو العالمي على لبنان، أوضح جابر أن هذه العوامل تضعف حتماً إمكانية تحويل الأموال من الخارج إلى لبنان.
وقال إن المغترب، في البلدان التي تتأثر بهذه الظروف أو تشهد ضعفاً اقتصادياً، قد يفقد جزءاً من قدرته على تحويل الأموال التي كان يرسلها إلى لبنان، مشيراً إلى أن التحويلات تأثرت بالفعل بالظروف الجيوسياسية والأمنية، كما تأثرت بالتضخم.
ولفت إلى أهمية الارتفاع الكبير الذي شهده سعر الذهب، معتبراً أن هناك تحولاً واضحاً لدى من يملكون الأموال باتجاه شراء الذهب باعتباره استثماراً ومخزناً للقيمة.
وأوضح أن الذهب يؤدي، وفق مفهوم وظائف النقود، وظيفة المستودع أو المخزن للقيمة، مشيراً إلى أن التحولات الحالية في الأسواق تعكس تراجع الثقة ببعض أدوات الادخار التقليدية.
وقال إن الدولار لم يعد، بالنسبة إلى شريحة من المستثمرين والأفراد، الملاذ الآمن الوحيد كما كان في السابق، وهناك تحول باتجاه شراء الذهب، الذي أصبح يُنظر إليه باعتباره مخزناً للقيمة في ظل الظروف الاقتصادية والجيوسياسية الحالية.
وأضاف أن هذا التحول نحو الذهب يساهم بدوره في تخفيف جزء من الأموال التي كان يمكن أن تتجه إلى تحويلات واستثمارات أخرى، في وقت يواجه فيه الاقتصاد العالمي حالة من عدم اليقين.
الفيدرالي الأميركي والتضخم والذهب
وتطرق جابر إلى السياسة النقدية التي يعتمدها الاحتياطي الفيدرالي الأميركي لمحاولة لجم التضخم، مشيراً إلى أن رفع أسعار الفائدة والإجراءات المتخذة لم تحقق، حتى الآن، الهدف المطلوب بالشكل الكامل.
وأوضح أن استمرار التضخم المرتفع، رغم محاولات كبحه من خلال السياسة النقدية الأميركية، يشير إلى صعوبة الوصول سريعاً إلى النتائج المطلوبة.
وأضاف أن هذا الواقع كان من العوامل التي ساهمت في ارتفاع أسعار الذهب، إذ إن استمرار التضخم وعدم نجاح محاولات خفضه بالسرعة المطلوبة يدفعان المستثمرين إلى البحث عن أدوات أخرى لحماية قيمة أموالهم.
وأشار إلى أن الدولار، نتيجة هذه التطورات، لم يعد بالنسبة إلى البعض “الملاذ الآمن” الوحيد، ما أدى إلى زيادة الطلب على الذهب.
وختم جابر بالتأكيد على أن التضخم الذي يشهده العالم اليوم هو نتيجة تداخل مجموعة واسعة من العوامل الاقتصادية والجيوسياسية والطبيعية والنقدية، فيما يواجه لبنان هذه التداعيات العالمية في ظل نقاط ضعف داخلية، أبرزها ضعف النمو، ارتفاع الأكلاف، غياب الرقابة الكافية، محدودية المنافسة وتراجع القدرة الشرائية، الأمر الذي يجعل المواطن اللبناني يتحمل الجزء الأكبر من كلفة هذه الأزمات المتراكمة.




