
تتقاطع التحركات داخل الأحزاب العربية الإسرائيلية مع تصاعد القلق في معسكر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو من التحولات الجارية على خريطة اليمين، في مشهد انتخابي تتداخل فيه حسابات نسبة التصويت العربية مع صعود شخصيات قد تهدد توازنات الائتلاف، وفي مقدمها عوفر وينتر الذي بات، بحسب تقرير إسرائيلي، مصدر قلق حقيقي داخل مكتب نتنياهو.
وبحسب تقرير للصحافي نداف إيال في صحيفة “يديعوت أحرونوت” الإسرائيلية، لم يكن معسكر التغيير يريد بأي شكل قيام قائمة عربية واحدة وموحدة، لأن ذلك كان سيؤدي إلى رفع نسبة التصويت في المجتمع العربي، وربما يمنح الأحزاب العربية، وفق بعض الاستطلاعات، نحو 15 مقعدًا.
وقال مسؤول رفيع في المعسكر: “وهذه هي المشكلة تحديدًا، لأن المقاعد الـ5 الإضافية كانت ستأتي على حساب المعسكر، وكذلك على حساب نتنياهو. فإذا كنا عند 60 مقعدًا مثلًا، كنا سنهبط إلى 57. ولا يهم أن نتنياهو كان سيهبط أيضًا. كل فرصة للوصول إلى 61 كانت ستختفي. نتنياهو كان سينهي الانتخابات بعدد أقل أيضًا، لكن القدرة على تشكيل حكومة بديلة كانت ستتآكل”.
ووفق التقرير، نُقلت رسائل بهذا المضمون إلى رئيس القائمة العربية الموحدة منصور عباس. وقال إيال إنه لا يعرف ما إذا كان عباس قد أخذها في الاعتبار، إلا أن الحقيقة أنه لم ينضم إلى التحالف الذي أُعلن عنه هذا الأسبوع.
وأشار إلى أن المفاوضات بين القوائم العربية اتسمت، كالمعتاد، بسلسلة من الخلافات الكبيرة والصغيرة وبتعقيدات سياسية وصفها بأنها نموذج كلاسيكي من “السياسة البيزنطية الإسرائيلية”.
وانتهت هذه الاتصالات إلى قيام تحالف عربي محدود، إذ ستخوض قائمتا “الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة” و”الحركة العربية للتغيير” الانتخابات مع حزب “التجمع الوطني الديمقراطي”.
ووصف التقرير “التجمع” بأنه حزب قومي متشدد أسسه عزمي بشارة، المقيم حاليًا في قطر، مشيرًا إلى أن الحزب أهدر حتى الآن نحو 1.4% من أصوات الجمهور العربي بعدما بقي دون نسبة الحسم، قبل أن يقرر هذه المرة خوض الانتخابات إلى جانب أحزاب أكثر اقترابًا من التيار الرئيسي.
وأوضح التقرير أن دخول “التجمع” في هذا التحالف لا يعود إلى رغبته في إحداث انقلاب سياسي أو الدفع نحو تعاون يهودي – عربي، لأن ذلك ليس الخط السياسي الذي يمثله الحزب.
وقال مصدر مطلع على السياسة العربية لإيال: “العكس تمامًا، إنها حبة سم، ومن يدري، ربما بنكهة قطرية، في وجه مثل هذا التعاون”.
وبحسب التقرير، هناك طريقتان لقراءة هذا التطور. الأولى تأتي من داخل الليكود، حيث قال مسؤول رفيع في الائتلاف: “مع التجمع، لن يتمكنوا من الاعتماد على امتناع العرب عن التصويت عند تشكيل الحكومة. هذا يصب مباشرة في مصلحة نتنياهو، لأنهم متطرفون جدًا، كما سيكون هناك عدد أكبر من المقاعد العربية في الكنيست، وهذا ممتاز بالنسبة إلينا، لأن فرص حصولهم على أغلبية صهيونية ستتراجع”.
وخلال الأيام الأخيرة، تلقى رئيس أحد الأحزاب في معسكر التغيير رسائل وصفها التقرير بأنها “هستيرية إلى حد بعيد” بشأن هذه المسألة.
وقال له أحد المستشارين: “عليك أن تطلب من منصور عباس ألا يترشح”، إلا أن رئيس الحزب، وفق التقرير، لم يُبدِ تأثرًا كبيرًا بهذا الطرح.
في المقابل، قال مسؤول رفيع في معسكر التغيير لإيال: “هذا مضحك جدًا. هناك الآن تمايز واضح بين القائمة العربية الموحدة ومنصور عباس، الذي يدعم أو سيدعم الخدمة الوطنية، وبين بقية الأحزاب العربية. الفجوة تتسع فقط، وهذا سيخدمنا عند الحاجة”.
وأوضح التقرير أن عبارة “عند الحاجة” تعني الحالة التي لا تتوافر فيها “أغلبية صهيونية” ويصبح الخيار المطروح تشكيل حكومة أقلية.
وأضاف أن يوآف سيغالوفيتش، الذي وصفه التقرير بأنه صهيوني بشكل واضح، قد ينضم إلى القائمة العربية الموحدة ويدخل الكنيست على حساب مقاعدها، وهو ما من شأنه أيضًا تخفيف صورتها السياسية.
وفي المعسكر المعارض لنتنياهو، يعتبرون أن هذا النقاش لا يزال نظريًا إلى حد كبير، في ظل تحسن وضع غادي آيزنكوت في استطلاعات الرأي، وكذلك نفتالي بينيت، واستقرار المعسكر الذي يمكن، بحسب هذه التقديرات، أن يصل إلى 60 مقعدًا أو أكثر.
ويعتقد هذا المعسكر أن فرصه قد تتحسن أكثر إذا نجح عوفر وينتر في دفع بتسلئيل سموتريتش إلى ما دون نسبة الحسم.
وهنا تبرز، بحسب إيال، القضية التي تثير “الذعر” داخل مكتب نتنياهو.
وأشار التقرير إلى أن رئيس الوزراء انشغل خلال الأيام الأخيرة بتقديم إحاطات ضد وينتر، وهو مقتنع بأن الأخير توصل بالفعل إلى تفاهمات مع أفيغدور ليبرمان أو نفتالي بينيت، “أو مع كليهما”، بشأن الانضمام إليهما بعد الانتخابات باعتباره الجناح اليميني في الحكومة الجديدة.
ويواجه نتنياهو ومستشاروه الآن معضلة تتعلق بكيفية التعامل معه: هل يتم توجيه ما وصفه إيال بـ”العين الكبيرة لآلة السم التلفزيونية” نحو وينتر، والعمل على تصويره باعتباره “يساريًا وخائنًا”، أم أن مثل هذا الهجوم سيؤدي إلى نتيجة عكسية ويرفع من قوته السياسية؟
وبحسب التقرير، يُفترض أن يُحسم القرار خلال الأيام القليلة المقبلة، على أن تظهر مفاعيله سريعًا على شاشات القناة المعنية.
وبين التحالف العربي المحدود والخشية من تمدد وينتر على حساب اليمين، تبدو المعركة الانتخابية في إسرائيل أمام معادلة معقدة لا تحسمها فقط أحجام الكتل الكبرى، بل أيضًا تفاصيل صغيرة في نسب التصويت وقدرة كل طرف على منع خصمه من بلوغ عتبة الـ61 مقعدًا.




