سلايدات

أقسى عقوبات على إيران… لكن “العقدة الصينية” قد تقلب الحسابات

تتحول الصين إلى الاختبار الأصعب أمام التهديدات الاقتصادية التي أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضد إيران وشركائها التجاريين، إذ تبدو بكين الحلقة التي قد تحدد عمليًا مدى قدرة واشنطن على تحويل وعيدها بـ«أقسى العقوبات» إلى حصار اقتصادي فعلي على طهران، في ظل اعتماد إيران الكبير على السوق الصينية لتصريف نفطها، وفي المقابل امتلاك الصين أوراق ضغط اقتصادية يصعب على الولايات المتحدة تجاهلها.

وكان ترامب قد توعد الدول التي تواصل التعامل التجاري مع إيران بـ«عواقب اقتصادية وخيمة»، فيما صعّد وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت اللهجة، معلنًا أن واشنطن تستعد لتنفيذ ما وصفه بأنه أكبر هجوم مالي على خصم على الإطلاق، في إطار حملة تستهدف خنق مصادر الدخل الإيرانية والضغط على الدول والشركات التي تساعد طهران في مواصلة تجارتها.

لكن الصين تبرز باعتبارها العقدة الأساسية في هذه الاستراتيجية. فبكين ليست مجرد شريك تجاري آخر لإيران، بل هي أكبر مشترٍ لنفطها بفارق كبير، ما يجعل نجاح أي محاولة أميركية لتجفيف العائدات النفطية الإيرانية مرتبطًا بصورة مباشرة بقدرة واشنطن على إقناع الصين بخفض مشترياتها أو إجبار الشركات الصينية على الابتعاد عن الخام الإيراني.

ووفق بيانات أوردتها «رويترز»، بلغ متوسط مشتريات الصين من النفط الإيراني خلال عام 2025 نحو 1.4 مليون برميل يوميًا، فيما استحوذت بكين على القسم الأكبر من صادرات الخام الإيراني، رغم أن هذه الكميات لا تظهر بصورة واضحة في البيانات الجمركية الصينية الرسمية.

ويعتمد جزء كبير من هذه التجارة على شبكة معقدة من الوسطاء والناقلات والمصافي المستقلة، إذ يُعاد في بعض الحالات تسجيل منشأ النفط الإيراني على أنه قادم من دول أخرى مثل ماليزيا أو إندونيسيا، بينما تُجرى بعض التسويات خارج النظام المالي التقليدي وبالعملة الصينية، ما يقلل قدرة العقوبات الأميركية المباشرة على وقف التجارة بشكل كامل.

كما أن الشركات الصينية الحكومية الكبرى تتجنب منذ سنوات الإعلان عن شراء النفط الإيراني بصورة مباشرة، فيما تتولى مصافٍ مستقلة الجزء الأكبر من الواردات، مستفيدة من الخصومات التي تقدمها طهران على خامها لتعويض المخاطر المرتبطة بالعقوبات الأميركية.

وقد فرضت واشنطن بالفعل عقوبات على عدد من المصافي والشركات الصينية التي اتهمتها بشراء النفط الإيراني أو تسهيل نقله، لكن هذه الخطوات لم تؤد في السنوات الماضية إلى وقف التدفقات بصورة كاملة، وهو ما يجعل السؤال الحالي أكثر حساسية: إلى أي مدى ستكون إدارة ترامب مستعدة للذهاب في فرض عقوبات ثانوية على كيانات صينية أكبر، أو حتى على مؤسسات مالية لها ارتباط مباشر بالاقتصاد الصيني؟

وتشير أحدث بيانات الشحن إلى أن الضغوط الأميركية بدأت تترك أثرًا على صادرات إيران، لكنها لم توقفها. فقد تراجعت الشحنات الإيرانية المتجهة إلى الصين إلى نحو 534 ألف برميل يوميًا في آب، مقارنة بنحو 823 ألف برميل يوميًا في تموز، بعدما كانت قد تجاوزت 1.2 مليون برميل يوميًا في كانون الثاني و1.5 مليون برميل في شباط.

وهنا تكمن إحدى أبرز المعضلات أمام ترامب. فممارسة أقصى ضغط على إيران تستوجب استهداف الطرف الذي يشتري معظم نفطها، أي الصين، لكن الدخول في مواجهة اقتصادية مباشرة مع بكين قد يفتح جبهة جديدة بين أكبر اقتصادين في العالم في توقيت تحاول فيه العاصمتان الحفاظ على التهدئة بعد أشهر من النزاعات التجارية والرسوم الجمركية.

كما تزداد حساسية الملف مع اقتراب زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى الولايات المتحدة لإجراء محادثات مع ترامب، في أعقاب زيارة الرئيس الأميركي إلى بكين في أيار الماضي، والتي ساهمت في تخفيف جزء من التوتر التجاري بين البلدين.

ورأى محللون تحدثوا إلى شبكة «سي إن إن» أن فرض عقوبات واسعة على الاقتصاد الصيني قبل زيارة شي قد يهدد المسار الذي تعمل واشنطن وبكين على تثبيته، خصوصًا إذا اعتبرت الصين أن الولايات المتحدة تحاول إجبارها على تغيير سياستها الخارجية أو خياراتها في مجال الطاقة لخدمة أهداف أميركية مرتبطة بالحرب مع إيران.

والصين بدورها لم تُظهر حتى الآن استعدادًا للتراجع. فقد أكدت وزارة الخارجية الصينية أنها ستراقب الخطوات الأميركية وستتخذ الإجراءات اللازمة لحماية مصالحها وحقوقها، فيما جدد المتحدث باسم الخارجية لين جيان رفض بكين سياسة العقوبات والضغط، داعيًا الأطراف إلى التصرف بعقلانية والعودة إلى الحلول السياسية والدبلوماسية.

ولا تقتصر أوراق بكين على شراء النفط الإيراني. فالصين تمتلك نفوذًا بالغ الأهمية في سلاسل توريد المعادن الأرضية النادرة والمواد المستخدمة في صناعات التكنولوجيا والطاقة والدفاع، ما يمنحها قدرة على الرد في حال تحولت العقوبات الأميركية إلى مواجهة اقتصادية مفتوحة.

وتسيطر الصين على حصة كبيرة جدًا من عمليات معالجة المعادن الأرضية النادرة عالميًا، وهي مواد تدخل في تصنيع السيارات الكهربائية والهواتف الذكية وأنظمة الطاقة، إضافة إلى صناعات الطيران والصواريخ والمعدات العسكرية المتقدمة.

وقد استخدمت بكين القيود على تصدير بعض هذه المواد خلال أزمات تجارية سابقة، فيما أظهرت بيانات تموز ارتفاع صادرات بعض المعادن المهمة إلى الولايات المتحدة بالتزامن مع تحسن نسبي في العلاقات التجارية، ما يجعل استقرار هذه الإمدادات أحد الملفات التي تأخذها واشنطن في الاعتبار عند تحديد مستوى الضغط الذي يمكن ممارسته على الصين.

ولهذا، فإن استهداف الصين بعقوبات قاسية بسبب تعاملاتها مع إيران قد يؤدي إلى رد صيني في ملفات أشد حساسية بالنسبة إلى الاقتصاد الأميركي، من المعادن النادرة إلى التجارة والرسوم الجمركية والاستثمارات، وهو سيناريو قد يحوّل حملة الضغط على إيران إلى مواجهة اقتصادية أميركية–صينية أكبر بكثير.

ومن هنا، تبدو استراتيجية العقوبات الأميركية أمام معادلة صعبة: إذا استثنت واشنطن الصين عمليًا من العقوبات الواسعة، ستبقى أمام إيران قناة ضخمة لتصريف صادراتها والحصول على العملات الأجنبية، ما قد يحد من فعالية الحصار. أما إذا قررت واشنطن تطبيق تهديداتها على بكين بصورة كاملة، فقد تضطر إلى تحمل كلفة مواجهة تجارية ومالية مع ثاني أكبر اقتصاد في العالم.

وكان بيسنت قد دعا الصين علنًا إلى التعاون مع واشنطن في تشديد الضغط على إيران، إلا أنه تجنب الكشف عن طبيعة الإجراءات التي قد تُتخذ إذا رفضت بكين، فيما أكدت الإدارة الأميركية أنها تعمل على إعداد حزمة عقوبات تصفها بأنها «الأقسى في التاريخ».

وتزداد أهمية السوق الصينية بالنسبة إلى إيران بعدما تقلصت خيارات طهران التجارية في عدد من الدول الأخرى. فالإمارات، التي لعبت تاريخيًا دورًا مهمًا في إعادة التصدير والتجارة الإيرانية، شهدت تراجعًا في التعاملات على وقع الحرب، فيما بقيت تجارة إيران مع تركيا والعراق وباكستان مهمة لكنها لا تعوض حجم الإيرادات النفطية التي تستطيع السوق الصينية توفيرها.

ويأتي الضغط الأميركي في وقت تعاني فيه إيران أصلًا من آثار سنوات طويلة من العقوبات والتضخم وتضرر البنية التحتية جراء الحرب، بينما تحاول واشنطن استخدام الاقتصاد لإجبار طهران على تقديم تنازلات بعدما لم تحسم المواجهة العسكرية الملفات الأساسية بين الطرفين.

في المقابل، تنظر طهران إلى علاقتها مع بكين بوصفها واحدة من أهم أدوات الصمود في مواجهة العقوبات. وكان وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي قد شدد، في مناسبة الذكرى الـ55 لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين إيران والصين، على أهمية «الشراكة الشاملة والاستراتيجية» بين البلدين في ظل التحولات التي يشهدها النظام الدولي.

وتتجاوز العلاقات الإيرانية–الصينية النفط وحده، إذ وقعت طهران وبكين في آذار 2021 اتفاق تعاون استراتيجي مدته 25 عامًا، شمل مجالات الطاقة والتجارة والاستثمار والبنى التحتية والنقل، وجاء ضمن توجه إيراني أوسع لتعزيز العلاقات الاقتصادية مع الشرق وتقليص الاعتماد على الأسواق والمؤسسات المالية الغربية.

لكن النفط يبقى حاليًا العنصر الأكثر حساسية، لأن عائداته تشكل مصدرًا رئيسيًا للعملات الأجنبية بالنسبة إلى إيران، وبالتالي فإن قدرة طهران على مواصلة بيع مئات آلاف البراميل يوميًا إلى الصين قد تصبح العامل الذي يحدد مدى نجاح حملة ترامب الاقتصادية.

وتبدو بكين حتى الآن غير مستعدة لمنح واشنطن ما تريده. فالصين ترفض من حيث المبدأ العقوبات الأميركية الأحادية وتعتبر تجارتها مع إيران مشروعة، بينما ترى في محاولات واشنطن فرض قيود على شركاتها امتدادًا لاستخدام النظام المالي الأميركي والدولار أداةً للضغط السياسي.

وبذلك، فإن المعركة المقبلة قد لا تدور فقط حول مقدار الضرر الذي تستطيع الولايات المتحدة إلحاقه بالاقتصاد الإيراني، بل حول السؤال الأكثر تعقيدًا: هل يستطيع ترامب فرض حصار فعلي على طهران من دون الدخول في مواجهة اقتصادية مباشرة مع شي جين بينغ؟

فإذا استمرت الصين في شراء النفط الإيراني رغم العقوبات، ستبقى لطهران نافذة اقتصادية أساسية. وإذا قررت واشنطن إغلاق تلك النافذة بالقوة الاقتصادية، فقد تتحول «الحرب المالية» ضد إيران إلى اختبار جديد وأكثر خطورة للعلاقة بين واشنطن وبكين.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى