سلايدات

تحت مياه صور كنز نجا من القصف… فهل ينجو من الإهمال؟

على اليابسة، تحمل مدينة صور آثار الغارات والدمار الذي أصاب أحياءها ومواقعها التاريخية خلال الحرب. أما تحت مياه المتوسط، فلا تزال مدينة أخرى صامدة، تحتفظ بجدرانها وطرقاتها ومنشآت مرافئها القديمة، وتعيد الغواصين تدريجياً إلى واحد من أهم المشاهد الأثرية البحرية في لبنان.

وكشفت وكالة “أسوشيتد برس”، في تقرير ميداني مصور من صور، أن الزوار بدأوا بالعودة إلى المواقع الأثرية المغمورة بعد وقف إطلاق النار، رغم أن الحركة السياحية لا تزال بعيدة عن مستويات ما قبل الحرب.

ووثقت الوكالة غوصاً بين جدران حجرية ومنشآت قديمة وطريق مغمور بالمياه، تشكل جميعها جزءاً من المشهد الأثري الواسع للمدينة التي كانت في مراحل تاريخية سابقة جزيرة قبالة الساحل، قبل أن تربطها التحولات الطبيعية والأعمال العمرانية باليابسة.

وتؤكد منظمة اليونسكو أن جزءاً مهماً من آثار صور القديمة لا يزال مغموراً، فيما وثقت أعمال البحث البحري جدراناً ومنشآت مرفئية وبقايا أثرية تمتد بمحاذاة الجزيرة السابقة وخط الساحل.

وقال مدير مركز لبنان للغوص يوسف الجندي إن الموسم لم يعد إلى ما كان عليه قبل الحرب، لكنه أشار إلى أن عدد الراغبين في الغوص لمشاهدة الآثار يرتفع يوماً بعد يوم. ولفت إلى أن المواقع البحرية تستقطب غواصين يريدون مشاهدة ما يوصف عادة بـ”مدينة صور الغارقة”.

وتشكل هذه الآثار امتداداً لتاريخ صور بوصفها واحدة من أبرز المدن البحرية الفينيقية، التي امتدت شبكاتها التجارية عبر المتوسط وأسست مستعمرات ومحطات بعيدة عن الساحل اللبناني. كما اشتهرت المدينة بصناعة الصباغ الأرجواني، قبل أن تتحول لاحقاً إلى مركز مهم في المرحلتين اليونانية والرومانية.

وأُدرجت آثار صور على قائمة التراث العالمي لليونسكو عام 1984، لكن الحرب أعادت الموقع إلى دائرة الخطر. ففي تموز 2026، قررت لجنة التراث العالمي إدراج صور على قائمة التراث العالمي المعرّض للخطر، بسبب التهديدات والأضرار الناتجة من العمليات العسكرية المتواصلة.

وقبل وقف إطلاق النار في أواخر حزيران، تعرضت صور لغارات إسرائيلية مكثفة ألحقت أضراراً بأحياء ومبانٍ داخل المدينة، كما أثارت مخاوف جدية من وصول الضرر إلى المواقع الأثرية الموجودة على اليابسة وتحت الماء.

وقال الجندي إن القلق كان كبيراً على الآثار البرية التي تأثرت بالحرب والغارات، وكذلك على المواقع البحرية، إلا أن المعاينات الأولية أظهرت أن الآثار المغمورة لم تتعرض لأضرار واضحة مماثلة.

Whats App Image2026 22at64153 AM

غير أن نجاة المواقع من القصف لا تعني أنها أصبحت آمنة. فقد أقرّ علي بدوي، من المديرية العامة للآثار، بأن المواقع الموجودة تحت الماء ليست محمية بصورة كافية، وأن تعديات تقع أحياناً عليها.

وأوضح أن المديرية تحاول حماية هذه المواقع عبر إجراء المسوحات والأبحاث والعمل على تطوير قوانين تضمن سلامتها مستقبلاً. كما كشف عن توجه لتوسيع الدراسات والاستثمار في السياحة البحرية، بما في ذلك إنشاء حدائق أثرية تحت الماء تسمح للزوار بمشاهدة المواقع ضمن مسارات منظمة.

وتشكل فكرة الحدائق البحرية فرصة سياحية واقتصادية لصور، إذ يمكن أن تربط بين المواقع الرومانية والفينيقية على اليابسة والآثار المغمورة قبالة الساحل. كما يمكن أن توفر فرصاً لمراكز الغوص وأصحاب القوارب والمرشدين والفنادق والمطاعم، في مدينة تضرر اقتصادها بشدة من الحرب والنزوح وتراجع عدد الزوار.

لكن تحويل الفكرة إلى مشروع فعلي يحتاج إلى أكثر من عودة الغواصين. فالمواقع البحرية تواجه أخطاراً متعددة، بينها التعديات والردم والتلوث والمراسي العشوائية والصيد غير المنظم، إضافة إلى احتمال إزالة قطع أثرية أو نقلها من أماكنها في غياب رقابة دائمة.

كما تحتاج الدولة إلى إعداد مسح شامل يحدد المواقع وحدودها وعمقها وحالتها، ووضع نظام واضح للغوص والزيارات، وتدريب مرشدين متخصصين، وتأمين فرق مراقبة وإنقاذ. ولا يزال السؤال مطروحاً حول التمويل المطلوب، والجهة التي ستتولى الإدارة، وكيفية توزيع العائدات بما يفيد المدينة ويحمي الآثار في الوقت نفسه.
Whats App Image2026 22at64124 AM

وتطرح العودة إلى آثار صور البحرية سؤالاً آخر يتعلق بإعادة الإعمار. فالأولوية بعد الحرب ستكون لإعادة المنازل والبنية التحتية، لكن أي أعمال ردم أو توسعة للمرفأ أو إنشاءات ساحلية غير مدروسة قد تلحق بالمواقع المغمورة أضراراً لم تفعلها الغارات.

لذلك، يصبح توثيق الآثار قبل إطلاق مشاريع الإعمار ضرورة لا ترفاً ثقافياً. فكل مشروع بحري أو ساحلي يجب أن يسبقه مسح أثري ودراسة للأثر البيئي، كي لا تخسر المدينة خلال إعادة بنائها ما نجح في النجاة من الحرب.

ولا تمثل المدينة المغمورة مجرد موقع سياحي أو مجموعة حجارة قديمة، بل سجلاً بحرياً لتاريخ صور وهويتها ودورها في المتوسط. وحمايتها يمكن أن تمنح الجنوب مادة مختلفة عن صور الدمار، وتعيد تقديم المنطقة باعتبارها مساحة للحياة والتاريخ والسياحة، لا جبهة عسكرية فقط.

في مدينة تحاول النهوض من الحرب، تبدو المفارقة لافتة: ما دمرته الغارات فوق الأرض يقابله تاريخ بقي محفوظاً تحت الماء.

صور لم تنجُ كلها، لكن مدينتها المغمورة بقيت في مكانها، تنتظر أن تتحول نجاتها من مصادفة إلى مشروع حماية حقيقي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى