
منذ وصوله إلى رئاسة الجمهورية، أظهر الرئيس جوزاف عون حرصاً واضحاً على حماية المؤسسات الدستورية ومنع تحويلها إلى ساحات لتنازع الصلاحيات. ومن هذا المنطلق، جاء طعنه بالمادة 3 من قانون إصلاح وضع المصارف وإعادة تنظيمها، بعدما وجد أن الصيغة التي أُقرّت تفتح الباب أمام تعدّد المرجعيات وتضارب الصلاحيات داخل المنظومة النقدية والمصرفية، بما يهدد استقلالية مصرف لبنان ووحدة قراره، ويُخشى أن يمهّد لتعطيل مسار الإصلاح والمحاسبة الذي باشره المصرف المركزي، ثم تمرير شطب الودائع لاحقاً.
الرئيس عون لم يتعامل مع المسألة كخلاف سياسي عابر، ولا كمعركة صلاحيات بين الحكومة وحاكم مصرف لبنان، بل كقضية تتصل بانتظام الدولة وحماية أموال اللبنانيين. فالرئاسة التي أقسمت على احترام الدستور لا تستطيع تجاهل نص قد يُنتج تضارباً بين المؤسسات، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بأخطر عملية مالية ومصرفية يشهدها لبنان منذ تأسيسه.
لهذا السبب، انحصر الطعن بالمادة 3 وحدها، ولم يتناول المواد التي تنظّم محاسبة المصارف أو إعادة رسملتها أو معالجتها وتصفيتها. وهذا الحصر يكشف طبيعة الخطوة الرئاسية: حماية المرجعية القانونية لمصرف لبنان وتثبيت قانون النقد والتسليف إطاراً ناظماً للعمل النقدي والمصرفي، والحؤول دون استخدام تعدد المرجعيات لتعطيل الإصلاح والمحاسبة أو فرض توزيع للخسائر ينتهي على حساب المودعين.
فالمادة 70 من قانون النقد والتسليف تضع في صلب مهمة مصرف لبنان المحافظة على سلامة النقد اللبناني والاستقرار الاقتصادي وسلامة النظام المصرفي وتطوير السوق النقدية والمالية. كما يمنح القانون المجلس المركزي دوراً أساسياً في تحديد السياسة النقدية والتسليفية واتخاذ التدابير المتعلقة بالقطاع المصرفي.
وعليه، لا يمكن لقانون إصلاح المصارف أن يعمل كجزيرة منفصلة عن القانون الذي أنشأ المصرف المركزي وحدّد صلاحياته ومهماته. معالجة الأزمة تقتضي مرجعية واضحة تمنع توزيع الصلاحيات بطريقة تجعل أكثر من جهة قادرة على اتخاذ قرارات متقاطعة أو متعارضة، ثم استخدام هذا التضارب لتعليق التحقيقات والإجراءات الإصلاحية وإغراقها في النزاعات.
هنا تكمن خطورة حذف عبارة “مع مراعاة أحكام قانون النقد والتسليف” من المادة 3. قد تبدو العبارة بسيطة، لكنها ترسم الحد الفاصل بين اختصاصات المجلس المركزي العامة واختصاصات الهيئة المصرفية العليا المرتبطة بإصلاح مصرف محدد أو إعادة تنظيمه أو تصفيته.
ومن دون هذا الحد الفاصل، يصبح السؤال مشروعاً: مَن يملك القرار الأخير إذا صدر تدبير عام عن المجلس المركزي وتقاطع مع إجراء اتخذته الهيئة في ملف مصرف معيّن؟ وأي مرجعية تُعتمد إذا تعارض القراران؟ وأمام أي جهة يلجأ المتضرر؟ وهل تتحول أول عملية إعادة هيكلة أو محاسبة إلى سلسلة دعاوى وطلبات لوقف التنفيذ؟
الأخطر أن هذا الغموض قد يمنح المتضررين من الإجراءات التي باشرها مصرف لبنان الذريعة القانونية لتعطيلها، عبر الطعن بالصلاحية أو الادعاء بتعارض المرجعيات. وعندها ينتقل البلد من مسار يفترض أن يحدد المسؤوليات ويستعيد الأموال، إلى متاهة قانونية تسمح بتمييع المحاسبة وتأجيل الإصلاح، قبل وضع المودعين أمام خيار شطب أموالهم بذريعة أن الخسائر باتت أمراً واقعاً.
هذا الغموض لا يسرّع الإصلاح، بل يزرع داخله أسباب تعطيله. وفي ملف ترتبط به حقوق المودعين ومصير مليارات الدولارات، يصبح وضوح الصلاحيات شرطاً لحماية الاستقرار المالي ومنع انهيار عملية إعادة الهيكلة عند أول اختبار.
وقد جرى خلال مناقشات لجنة المال والموازنة التوصل إلى صيغة تضع المادة تحت سقف أحكام قانون النقد والتسليف، ولا سيما المادة 70، بعد نقاش شاركت فيه الحكومة ومصرف لبنان، فيما كان صندوق النقد حاضراً في المسار التشريعي وملاحظاته.
لكن العبارة التي تحمي وحدة المرجعية حُذفت لاحقاً. ومن هنا يبدأ السؤال الحقيقي: مَن أصرّ على حذفها؟ ولماذا جرى التخلي عن صيغة تمنع الالتباس وتحافظ على استقلالية السلطة النقدية من دون تعطيل صلاحيات الهيئة المصرفية العليا في معالجة كل مصرف على حدة؟ وهل كان المطلوب فعلاً إصلاح القطاع، أم خلق ثغرة يمكن استخدامها لاحقاً لوقف المحاسبة وتسهيل تحميل المودعين الخسائر؟
من استهدف الاتفاق والإصلاح ليس مَن لجأ إلى المجلس الدستوري، بل مَن أصرّ على تمرير نص قابل للتعطيل والطعن والنزاع. فالاتفاقات الدولية لا تُحمى بالغموض، والإصلاح لا يُبنى على ازدواجية الصلاحيات، والاستقرار المالي لا يتحقق بإضعاف المصرف المركزي، وحماية الودائع لا تبدأ بصناعة الآليات التي تسمح بشطبها.
وكان الرئيس عون يستطيع الصمت تفادياً للضجيج السياسي، لكنه اختار تحمل مسؤوليته. فالسكوت عن الخلل كان سيمنح الأطراف نفسها فرصة اتهام الرئاسة لاحقاً بالتقصير إذا انفجر النزاع بين المرجعيات وتعطلت عملية إعادة الهيكلة والمحاسبة، وفُرض شطب الودائع كحل وحيد بعد تضييع فرص استعادة الأموال.
واللافت أن الطعن قُدّم قبل أكثر من أسبوع، بعيداً من الاستعراض، تجنباً لاستغلاله لضرب مسار التفاوض مع صندوق النقد. لكن الكشف عنه استُخدم لإطلاق حملة سياسية وإعلامية على الرئيس عون وحاكم مصرف لبنان كريم سعيد، قبل الدخول في مضمون الاعتراض ومناقشة أساسه القانوني.
أما الادعاء بأن المصارف تقف خلف الطعن، فيصطدم بمضمون المراجعة نفسها. فالمادة 3 لا تعالج حقوق المصارف أو خسائرها، ولا تمنحها امتيازاً، ولا تعفيها من المحاسبة. وبحسب المعطيات المتعلقة بالمذكرة الاعتراضية التي رفعتها جمعية المصارف خلال مناقشة القانون، لم تكن هذه المادة في أساس اعتراضها.
فكيف أصبح الطعن لمصلحة المصارف إذا كانت المادة المطعون فيها لا تحقق لها مطلباً؟ ولماذا يُستدعى اسم المصارف كلما تعذّر الرد على الحجة الدستورية؟ لأن المصارف باتت العنوان الأسهل لتشويه أي موقف، ولأن اتهام الرئيس بحمايتها يسمح بتجنب السؤال الأخطر: لماذا حُذفت العبارة التي تحمي مرجعية قانون النقد والتسليف، وتحول دون تعطيل الإجراءات التي باشرها مصرف لبنان؟
المسألة تتصل بهوية المرجعية التي ستدير أخطر مرحلة مالية في تاريخ لبنان. فإما أن يبقى قانون النقد والتسليف إطاراً ناظماً لوحدة القرار النقدي، وإما أن يولد ما يشبه “طائفاً مالياً” جديداً، تتوزع فيه الصلاحيات بين مراكز متداخلة، ويتحول كل قرار إلى ساحة نزاع، وتصبح المحاسبة رهينة الخلاف بين المؤسسات.
ويتحمل رئيس الحكومة نواف سلام ووزير المالية ياسين جابر مسؤولية سياسية وقانونية في شرح سبب إسقاط العبارة التي تمنع تضارب الصلاحيات. فلا يجوز التعامل مع الدستور واستقرار القرار المالي كأنهما عقبتان أمام التفاوض، ولا يمكن تحويل ملاحظات مؤسسة دولية إلى مرجعية تتقدم على القوانين اللبنانية أو تسهّل تحميل المودعين كلفة الانهيار.
صندوق النقد شريك تفاوضي يحتاج إليه لبنان، لكنه لا يحل محل مجلس النواب أو المجلس الدستوري، ولا يملك إعادة رسم صلاحيات المؤسسات اللبنانية. وأي اتفاق ناجح يجب أن يكون قابلاً للتطبيق، وقائماً على قانون واضح، وقادراً على الصمود أمام القضاء، ويحمي الودائع بدل أن يجعل شطبها المدخل الأسهل لإقفال الفجوة.
أما الجهات السياسية التي وجدت في الطعن فرصة للتصويب على عون وسعيد، فهي مطالبة بالإجابة: هل تريد مصرفاً مركزياً مستقلاً وقادراً على حماية وحدة السياسة النقدية ومتابعة الإصلاح والمحاسبة، أم مؤسسة محاصرة بصلاحيات متداخلة، يسهل تعطيلها والتحكم بقرارها، ثم تحميلها مسؤولية الفشل؟
إن حرص الرئيس عون على استقلالية مصرف لبنان لا يعني منح أي شخص صلاحيات مطلقة، بل حماية المؤسسة نفسها، ومنع تفكيك مرجعيتها القانونية في اللحظة التي بدأت فيها فتح ملفات حساسة وملاحقة موارد وأموال يفترض استعادتها. فالحاكم يتغير، والحكومات تتبدل، فيما يجب أن تبقى قواعد الدولة واضحة وثابتة.
لقد وضع عون الجميع أمام مسؤولياتهم، وأعاد القضية إلى مكانها الصحيح: المجلس الدستوري. وهناك يجب أن تُقرأ المادة 3 بميزان الدستور وانتظام المؤسسات، وبما يحمي الإصلاح والمحاسبة والودائع، بعيداً من الضغوط والحملات والتخويف من سقوط الاتفاق مع صندوق النقد.
الطعن قُدّم دفاعاً عن وحدة القرار النقدي، ومنعاً لولادة مرجعيات متضاربة قد تتحول إلى أداة لتعطيل الإصلاح والمحاسبة وتهيئة الأرض لشطب الودائع لاحقاً. والسؤال اليوم هو: هل يجرؤ المجلس الدستوري على ردّ الاعتبار إلى الدستور وحماية استقلالية مصرف لبنان ووحدة مؤسساته، أم يترك الغموض قائماً حتى يدفع اللبنانيون ثمنه من ودائعهم واستقرارهم المالي؟




