
ماذا سيبقى في الجنوب بعد انسحاب “اليونيفيل”؟ سؤال تتحرّك القيادة اللبنانية على أساسه للحفاظ على حضور دولي يساند الجيش، فيما تشكّك دراسة لمركز “ألما” للأبحاث في التحذيرات من “فراغ أمني”، وتعتبر أن استبدال القوة الحالية بأخرى مشابهة قد يكرّر الإخفاق نفسه باسم جديد.
وبحسب الدراسة، التي أعدّتها الدكتورة زوي ليفورنيك وساريت زهافي، ينص قرار مجلس الأمن 2790، الصادر في آب 2025، على انتهاء مهمة “اليونيفيل” بنهاية 2026، وتخصيص العام التالي لتقليص القوة وانسحابها. وفي المقابل، تسعى بيروت إلى تمديد محدود أو إنشاء إطار دولي بديل يعمل بالتوازي مع توسيع انتشار الجيش اللبناني.
وفي أيلول، طالبت الحكومة اللبنانية مجلس الأمن بالإبقاء على الترتيبات الحالية لفترة محدودة، معتبرة أن إنهاء المهمة في موعدها سيكون سابقاً لأوانه. ويفضّل رئيس الجمهورية جوزاف عون تمديد ولاية القوة، أو الحفاظ على حضور دولي بديل إذا تعذّر ذلك، بينما دعا رئيس الحكومة نواف سلام إلى الاتفاق على قوة جديدة قبل الانسحاب.
وتوضح الدراسة أن المخاوف اللبنانية تتجاوز خسارة الجنود، لتشمل منظومة المراقبة والاتصالات والتنسيق والدعم العملياتي واللوجستي للجيش.
فعون يتوقع من القوة الدولية مساعدة الجيش على بسط سلطة الدولة وتنفيذ القرار 1701، ودعم تسلّمه مواقع “اليونيفيل”، والمساهمة في إزالة الذخائر غير المنفجرة وإعادة إتاحة استخدام المناطق المتضررة، ومساندة الترتيبات الأمنية قيد البحث. وفي 23 أيلول، حذّر من أن غياب القوة الحالية أو بديل عنها سيُحدث فراغاً يقوّض الاستقرار، معتبراً أن الحضور الدولي يمنح الجيش أيضاً دعماً سياسياً وشرعية لعملياته.
أما سلام، فأشار أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 25 أيلول إلى دور “اليونيفيل” في تسيير الدوريات على الخط الأزرق وتوثيق التطورات وإبلاغ الأمم المتحدة بها، ونقل الرسائل وتقليص مخاطر سوء الفهم، ومساندة الجيش. كما يسهّل وجودها وصول منظمات الإغاثة إلى المناطق الحساسة والسكان المحتاجين للخدمات.
وتبرز صعوبة إضافية تتعلق بتسلّم المواقع. فقد حذّر قائد “اليونيفيل”، ديوداتو أبانيارا، في أيلول، من أن نقل المسؤولية يحتاج إلى تخطيط مسبق، وأن تسليم بعض المواقع إلى الجيش سيكون صعباً بصورة خاصة. فالجيش مطالب بتوسيع انتشاره ومواصلة مهماته الحالية، من دون ضمان قدرته على تعويض كامل منظومة الدعم الدولي فوراً.
وهنا يكمن جوهر القلق اللبناني: مرحلة تتوقف فيها “اليونيفيل” عن العمل قبل أن يتمكن الجيش وآلية التنسيق المستقبلية من أداء جميع مهماتها.
وتشمل البدائل المطروحة اقتراحاً للأمين العام للأمم المتحدة يتضمن 3 نماذج لحضور دولي أصغر، بمستويات متفاوتة من المراقبة والاتصال ومساعدة الجيش. كما تُبحث بعثة أوروبية لتقديم المشورة وتدريب القوى الأمنية، بما يشمل ضبط الحدود والأمن البحري.
لكن الاتحاد الأوروبي أوضح أن البعثة تهدف إلى تعزيز قدرات الدولة، ولن تحلّ بالكامل محل “اليونيفيل”، ما يعني أنها لن توفّر بالضرورة منظومة الحضور والمراقبة التي تريد بيروت الاحتفاظ بها.
في المقابل، تعتبر الدراسة أن الحديث عن “فراغ أمني” يفترض أن “اليونيفيل” وفّرت حماية فعالة، وهو افتراض ترفضه معدّتاها. وتقول إن القوة أخفقت، خلال نحو عقدين من ولايتها الموسّعة، في منع تنامي القدرات العسكرية لـ”حزب الله” وإقامة بنيته العسكرية قرب الحدود، كما لم تمنع استئناف الأعمال القتالية.
وتشكّك أيضاً في فعالية تقارير القوة، معتبرة أنها وثّقت قيود الحركة ووجود الأسلحة والحوادث، لكنها لم تنسب هذه الأنشطة بوضوح إلى الحزب، ما أحدث فجوة بين الصورة التي قدّمتها والبنى العسكرية والأنفاق والأسلحة التي كُشفت خلال الحرب.
وتتهم الدراسة “حزب الله” بتقييد حركة القوة ومنع وصولها إلى مناطق حساسة وتعريضها للتهديد والعنف، وتعتبر أن “اليونيفيل” تراجعت أمام هذه الضغوط. ولذلك، ترى أن زيادة الجنود والكاميرات والمعدات لن تعالج المشكلة ما دام الوصول إلى مواقع النشاط العسكري غير مضمون.
وتطرح كذلك احتمال استغلال تجهيزات القوة الدولية. وتنقل عن مقال للمركز في تموز 2025 شهادات لعناصر أسرى من “حزب الله”، زعموا أن الحزب دفع أموالاً لجنود في “اليونيفيل” مقابل استخدام كاميراتها قرب الحدود.
وتوضح أن هذه الشهادات لا تثبت وجود سياسة موجّهة من قيادة القوة، لكنها تثير احتمال تعاون أفراد في استغلال تجهيزاتها. وتحذّر من أن زيادة قدرات المراقبة قد تمنح الحزب أدوات إضافية للعمل ضد إسرائيل إذا غابت الرقابة على استخدامها وعلى الوصول إلى المعلومات التي تجمعها.
أما في ملف الاتصالات، فترى الدراسة أن المحادثات المباشرة الجارية بين لبنان وإسرائيل والقناة الدبلوماسية المتاحة تقلّصان الحاجة إلى وساطة “اليونيفيل”. وتدعو إلى تطويرهما ضمن آلية عمل ملزمة تقوم على التزامات واضحة ومسؤولية لبنانية عن التنفيذ.
وتعتبر أن الإبقاء على القوة الدولية مرجعاً دائماً لكل حادث قد يتيح للحكومة والجيش الاحتماء بمحدودية قدراتها، بدلاً من تحمّل المسؤولية عن التطورات في الأراضي الواقعة ضمن نطاق مسؤوليتهما.
وبشأن تسليم المواقع والمعدات، تقرّ الدراسة بالحاجة إلى التحضير، لكنها ترفض اعتباره مبرراً لاستمرار حضور عسكري دولي، مشيرة إلى أن موعد انتهاء الولاية حُدّد مسبقاً، مع فترة استعداد تعقبها مهلة تصل إلى عام للانسحاب المنظّم.
وتلفت إلى الدعم الدولي الذي يتلقاه الجيش عبر التدريب والتجهيز والتمويل، وتطالب لبنان بتحديد القدرات التي يفتقر إليها، وكيفية استخدام المساعدات لمعالجة النقص، والجدول الزمني لتسلّم المسؤوليات.
كما تعتبر أن المساعدات الإنسانية وإعادة الإعمار وإزالة الذخائر غير المنفجرة يمكن أن تستمر عبر منظمات متخصصة، من دون الحاجة إلى قوة عسكرية دولية.
وتخلص الدراسة إلى أن الفراغ الأمني، وفق تقييمها، كان قائماً حتى في ظل وجود “اليونيفيل”، بسبب عجز الدولة عن منع “حزب الله” من امتلاك السلاح وبناء منشآت عسكرية والعمل خارج سلطتها. لذلك، تدعو إلى تعزيز الآلية المباشرة بين لبنان وإسرائيل وتحميل الحكومة والجيش كامل المسؤولية، محذّرة من أن إنشاء قوة بديلة من دون تغيير آليات التنفيذ قد يعيد إنتاج المشكلة نفسها.




