
كتبت يولا هاشم في المركزية:
أعادت قرارات المجلس الدستوري المتصلة بقانون العفو العام في لبنان فتح باب الجدل السياسي والقانوني والشعبي، في ظل ما قد يترتب على تطبيق القانون من تداعيات على ملفات قضائية حساسة، أبرزها احتمال استفادة نوح زعيتر من أحكامه، وما يُثار في المقابل عن إمكان تخفيض مدة العقوبة المحكوم بها الشيخ أحمد الأسير، بما قد يفضي إلى الإفراج عنه في عام 2028.
وأثارت القرارات اعتراضات تتعلق بحدود صلاحيات المجلس الدستوري، إذ اعتبرت جهات معترضة أن المجلس تجاوز نطاق اختصاصه المنصوص عليه في المادة 19 من الدستور اللبناني، من خلال ما وصفته بإدخال تعديلات على مضمون النص التشريعي. وتستند هذه الاعتراضات إلى أن صلاحية المجلس في الرقابة على دستورية القوانين تتيح له البت في الطعن، إما بإعلان عدم دستورية القانون أو الأحكام المطعون فيها، ضمن حدود اختصاصه، وإما بردّ الطعن والإبقاء على النصوص المطعون فيها.
وفي المقابل، يبرز التمييز القانوني بين إبداء التحفّظات التفسيرية، التي ترمي إلى تحديد المعنى الواجب اعتماده للنص بما يضمن توافقه مع الدستور، وبين تعديل النص التشريعي أو استحداث أحكام جديدة، وهي صلاحية تعود إلى السلطة التشريعية. من هنا، يُطرح السؤال: أين تنتهي صلاحية المجلس الدستوري في تفسير النصوص، وأين يبدأ اختصاص مجلس النواب في التشريع؟
الخبير الدستوري سعيد مالك، يوضح لـ”المركزية”، أن “المجلس الدستوري لا يملك صلاحية التشريع، لكنه يستطيع إبداء تحفّظات تفسيرية على النص المطعون فيه، بهدف تحصينه وضمان تفسيره بما يتوافق مع الدستور، وهو ما أقرّه الاجتهاد، ولا سيما في قرار المجلس الدستوري اللبناني رقم 3/2002. وبالتالي، يجوز للمجلس اعتماد تفسير دستوري للنص في معرض ممارسته رقابته، لكن لا يجوز له أن يحلّ محلّ المشرّع أو أن يُدخل تعديلات على أحكام القانون، لأن ذلك يدخل في اختصاص مجلس النواب”.
ويضيف مالك: “أما في ما يتعلق بما يُثار عن التعديلات التي تضمّنها قرار المجلس، فلا بد من دراسة القرار والنصوص المعنية دراسة معمّقة لتحديد ما إذا كان المجلس قد اكتفى بتفسير الأحكام التشريعية أم تجاوز ذلك إلى تعديل مضمونها، وتبيان طبيعة ما اتخذه من تدابير”.
ويلفت إلى أن “ثمة من يعتبر أن التفسير المعتمد وسّع نطاق الاستفادة من قانون العفو ليشمل جرائم المخدرات والاتجار بها، فيما قد لا يترتب عليه الأثر نفسه بالنسبة إلى الشيخ أحمد الأسير، الذي يُقال إنه سيبقى في السجن نتيجة هذا التفسير”. ويشدد على أن حسم هذه المسألة يستلزم تدقيقاً في منطوق القرار وأسبابه، وفي الأحكام التي تناولها، فضلاً عن كيفية تطبيقها على الملفات القضائية المعنية.
ويؤكد مالك أن “المجلس الدستوري يملك صلاحية الرقابة على دستورية القوانين، وله أن يحدّد، من خلال التحفّظات التفسيرية، المعنى الذي يتوافق مع الدستور، لكنه لا يملك صلاحية تعديل التشريع الصادر عن مجلس النواب”.
وفي ما يتعلق بمرحلة التنفيذ، يشير مالك إلى أن تطبيق القانون بات يتطلب وضع الآليات القضائية اللازمة لتحديد المستفيدين منه، في ضوء أحكامه والقرارات القضائية ذات الصلة. ويقول إن القاضي أحمد رامي الحاج، النائب العام التمييزي، يتولى متابعة هذا المسار بالتعاون مع النيابات العامة المختصة، بما يستلزم دراسة الملفات المعنية والتحقق من انطباق شروط العفو على كل حالة.
ويختم مالك بالإشارة إلى أن تنفيذ القانون قد يستغرق بعض الوقت، ريثما تُستكمل الإجراءات اللازمة وتُحدَّد آليات تطبيق أحكامه على الملفات المعنية، على أن يتم ذلك وفقاً للنصوص القانونية النافذة والأصول القضائية المرعية الإجراء

