سلايدات

حسابات جديدة لـ”حزب الله”… هل يبتعد عن الحرب المقبلة؟

السؤال الأبرز الذي يُطرح اليوم، في ظل عودة التوترات الإقليمية إلى مستويات غير مسبوقة، هو ما إذا كان “حزب الله” سيشارك في أي حرب جديدة قد تندلع بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، خصوصاً أن احتمالات المواجهة العسكرية عادت لتتصدر المشهد، وسط استعدادات متبادلة وتصعيد سياسي وعسكري يوحي بأن المنطقة قد تكون أمام جولة جديدة من الصراع.

قد تبدو الإجابة عن هذا السؤال أكثر سهولة مما يعتقد البعض. فالمؤشرات السياسية والاستراتيجية توحي بأن “حزب الله” ليس في وارد الدخول في حرب جديدة، ليس بالضرورة بسبب وضع قدراته العسكرية أو حجم الخسائر التي تعرض لها في المواجهات السابقة، بل لأن الأسباب التي كانت تستدعي تدخله لم تعد قائمة بالقدر نفسه.

لفهم هذا التحول، لا بد من العودة إلى حرب الأربعين يوماً، التي شكلت امتحاناً حقيقياً لإيران وحلفائها. يومها، لم تكن المواجهة مجرد محاولة أميركية وإسرائيلية لتحسين شروط التفاوض مع طهران، بل كان احتمال إسقاط النظام الإيراني حاضراً بقوة في الحسابات السياسية والعسكرية. وكان السؤال الأساسي المطروح آنذاك يتعلق بقدرة الجمهورية الإسلامية على الصمود أمام هجوم بهذا الحجم، وبإمكانية خروجها من الحرب من دون خسارة موقعها الإقليمي.

في تلك الظروف، كان “حزب الله” أمام معركة تتجاوز الحدود اللبنانية. فسقوط النظام الإيراني، لو حصل، كان سيعني تحولاً جذرياً في موازين القوى الإقليمية، وربما تهديداً مباشراً لمستقبل الحزب نفسه. ولذلك، كان من المنطقي أن يستخدم الحزب أوراقه المتاحة، انطلاقاً من معادلة واضحة: إما أن تنجو إيران وحلفاؤها معاً، وإما أن يواجهوا تداعيات الهزيمة معاً.

لكن الظروف اليوم مختلفة إلى حد بعيد.
فإيران، وفق هذه القراءة، نجحت في احتواء الهجمة الأولى، وأثبتت قدرتها على الصمود ومنع تحقيق الأهداف القصوى للحرب. وبالتالي، فإن أي مواجهة جديدة لن تكون بالضرورة حرباً صفرية هدفها إسقاط النظام وإنهاء الجمهورية الإسلامية، بل قد تكون حرباً تهدف إلى تعديل موازين القوى وتحسين الشروط التي ستُفرض لاحقاً على طاولة المفاوضات. وهنا تحديداً تنتفي الحاجة إلى مشاركة “حزب الله”.

فطهران أظهرت، خلال المواجهة السابقة، أنها تمتلك القدرة على توجيه ضربات مؤثرة إلى إسرائيل والمصالح والقواعد الأميركية في المنطقة، وأنها تستطيع استخدام قدراتها العسكرية لفرض معادلات ردع جديدة. وعليه، فإن دخول الحزب في مواجهة إضافية لن يمنح إيران بالضرورة مكاسب استراتيجية توازي الكلفة التي قد تترتب عليه.

بل على العكس، قد يوفر تدخله لإسرائيل فرصة لفتح الجبهة اللبنانية على نطاق واسع، وتحويل لبنان إلى ساحة ضغط إضافية على إيران، بما يؤدي إلى تشتيت الجهود العسكرية والسياسية للمحور بدلاً من تعزيز موقعه التفاوضي.

وهناك عامل آخر لا يقل أهمية. فان أحد أهداف مشاركة الحزب في المواجهة الأولى كان تثبيت موقعه طرفاً لا يمكن تجاوزه في أي تسوية إقليمية مقبلة. وبما كان هذا الهدف حاضراً بالفعل، فإن الحزب يبدو أنه نجح في تحقيقه، بعدما أصبح الملف اللبناني وموقع “حزب الله” جزءاً من الحسابات المرتبطة بالتفاوض بين واشنطن وطهران.

وبالتالي، لم يعد الحزب مضطراً إلى دخول الحرب لإثبات حضوره على طاولة المفاوضات، لأن موقعه بات مرتبطاً بنتائج التسوية الإقليمية نفسها.
من هنا، يمكن القول إن قرار عدم المشاركة، إذا اتُّخذ، لن يكون تعبيراً عن ضعف أو تراجع، بل عن تبدل في الحسابات والأولويات. فالمصلحة الاستراتيجية لإيران وحلفائها قد تقتضي هذه المرة إبقاء الجبهة اللبنانية خارج المواجهة، لأن دخول “حزب الله” الحرب قد يتحول من ورقة قوة إلى عبء على المحور بأكمله.

ويبقى هذا التقدير مشروطاً بطبيعة الحرب المقبلة وأهدافها، وبما إذا كانت إسرائيل ستقرر توسيع المواجهة نحو لبنان. أما إذا بقيت الحرب محصورة في إطار تحسين الشروط بين واشنطن وطهران، فإن بقاء “حزب الله” خارجها يبدو الخيار الأكثر انسجاماً مع مصالحه ومصالح حلفائه.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى