سلايدات

بين سلاح الحزب ورحيل “اليونيفيل”… باريس تفتح الملفات الأصعب في بيروت

في توقيت إقليمي ولبناني شديد الحساسية، تحرّكت باريس على خط بيروت بزيارة مزدوجة لوزير أوروبا والشؤون الخارجية جان نويل بارو والوزيرة المفوضة لشؤون القوات المسلحة أليس روفو، واضعةً على طاولة المسؤولين اللبنانيين ملفات الجنوب، ومستقبل “اليونيفيل”، وحصر السلاح بيد الدولة، ودعم الجيش والإصلاحات الاقتصادية.

وتسبق الزيارة الجولة الموسعة التي سيقوم بها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في الخليج اعتبارًا من الاثنين، وتشمل الكويت والإمارات والبحرين وقطر، وسط تشابك الملفات الإقليمية واللبنانية، وفي ظل ما تصفه مصادر رئاسية فرنسية بحالة “اللاحرب واللاسلم” بين الولايات المتحدة وإيران، والتي تدفع المنطقة إلى “مأزق استراتيجي حقيقي”.

وبحسب القراءة الفرنسية، فإن “التصعيد والخيار العسكري لم يحققا أي نتيجة”.

وعلى المستوى اللبناني، تتصدر المخاوف الفرنسية احتمالات حصول فراغ أمني مع انتهاء انتداب قوة “اليونيفيل” في جنوب لبنان بعد نحو 75 يومًا، في وقت لم تتبلور فيه حتى الآن أي صيغة بديلة.

ويواجه طلب لبنان تمديد مهمة القوة الدولية لمدة 6 أشهر رفضًا أميركيًا وإسرائيليًا، مقابل دعم فرنسي وأوروبي لهذا التوجه.

كما تتركز المخاوف على مراوحة اتفاق 26 حزيران الماضي مكانه، سواء لجهة نزع سلاح “حزب الله” أو الانسحابات الإسرائيلية من “المناطق النموذجية”، التي لا تزال متوقفة عند نصف انسحاب.

وتشمل الهواجس الفرنسية أيضًا الوضع اللبناني الداخلي والعلاقة المتشنجة بين الدولة و”حزب الله”، في ظل رفض الحزب التفاوض المباشر مع إسرائيل وتمسكه بسلاحه، وغياب رؤية واضحة للخروج من هذه الإشكالية.

ويحمل الوزيران الفرنسيان برنامجًا مكثفًا بدأ مساء السبت بلقاء رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون في قصر بعبدا، تلاه اجتماع مع قائد الجيش العماد رودولف هيكل في اليرزة.

وفي اليوم التالي، يلتقي الوزيران رئيس الحكومة نواف سلام في السراي الحكومي، ثم رئيس مجلس النواب نبيه بري في عين التينة خلال غداء عمل.

وتجتمع روفو منفردة بوزير الدفاع ميشال منسّى، فيما يلتقي بارو السفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى، في خطوة تتيح لباريس الاطلاع عن قرب على تفاصيل السياسة الأميركية تجاه لبنان خلال المرحلة المقبلة.

ويُختتم الجانب الرسمي من الزيارة باجتماع للوزيرين مع ممثلي الحضور العسكري الفرنسي في لبنان، يعقبه احتفال في قصر الصنوبر تكريمًا للجنود الفرنسيين الذين سقطوا في لبنان.

وأوضحت وزارة الخارجية الفرنسية أن الزيارة تأتي بعد شهر على الاجتماع الذي استضافته باريس بمشاركة الرئيسين الفرنسي واللبناني والعاهل الأردني.

وأكدت أن بارو سيجدد دعم فرنسا الثابت لسيادة لبنان واستقراره وأمنه، والتزام باريس بالتنفيذ الكامل للاتفاق الإطاري الموقع في 26 حزيران 2026 وقرار مجلس الأمن الرقم 1701، بما يتيح نزع سلاح “حزب الله”، وانسحاب القوات الإسرائيلية، وإعادة انتشار الجيش اللبناني على كامل الأراضي اللبنانية.

ومع اقتراب انتهاء ولاية “اليونيفيل” في نهاية العام، سيشدد بارو على ضرورة إنشاء منظومة دولية جديدة لدعم سيادة لبنان ومساندة إعادة انتشار الجيش وتفادي فراغ أمني قد تكون له تداعيات خطيرة، مع استعداد فرنسا للاضطلاع بدورها كاملًا في هذه المنظومة.

وفي هذا السياق، أشارت باريس إلى قرار الاتحاد الأوروبي الصادر في 12 تشرين الأول، والقاضي بإنشاء بعثة أوروبية لدعم لبنان، معتبرة أنها قد تشكل عنصرًا مهمًا في المنظومة الدولية الجديدة.

كما سيشدد بارو أمام المسؤولين اللبنانيين على ضرورة إنجاز الإصلاحات الأساسية المطلوبة لتعافي البلاد، مع تأكيد استمرار التحرك الفرنسي للاستجابة للاحتياجات الإنسانية الطارئة.

وكانت باريس قد لعبت دورًا أساسيًا في الدفع باتجاه إرسال بعثة أوروبية مشتركة، عسكرية ومدنية، إلى لبنان لمدة 3 سنوات، تتولى دعم الجيش اللبناني ومواكبته في مهامه، من دون أن تشمل مهماتها نزع سلاح “حزب الله”.

وأكدت مصادر رئاسية فرنسية أن مهمة نزع السلاح تقع على عاتق القوى المسلحة اللبنانية الشرعية، “وليس أي طرف آخر”.

وبحسب مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس، فإن أوروبا “تراهن على مستقبل لبنان”، وترى في البعثة الجديدة نقلة نوعية في العلاقات الأمنية ودعمًا لمؤسسات الدولة في استعادة سيادتها الكاملة وإرساء الاستقرار.

أما الشق العسكري من البعثة الأوروبية، فسيقدم، وفق مجلس الاتحاد الأوروبي، الدعم الاستشاري والتدريب للجيش في مجالَي أمن الحدود والأمن البحري، فيما يتولى الشق المدني تدريب قوى الأمن الداخلي في مجالات بينها مكافحة الجرائم الإلكترونية وتهريب السلع.

وكانت كالاس قد أعلنت أن 10 دول أوروبية أبدت استعدادها للمشاركة في البعثة، التي لن تتضمن مهمات قتالية.

لكن الاتفاق المبدئي لا يزال يحتاج إلى عمل داخل الاتحاد الأوروبي لتحديد الدول المشاركة، وتنظيم البعثة، وتفصيل مهماتها وانتشارها وآلية تعاونها مع السلطات اللبنانية وتعيين قياداتها، فيما ترجح باريس ألا تبدأ عملها قبل مطلع العام المقبل.

وفي موازاة ذلك، لا تزال صورة القوة التي يمكن أن تحل محل “اليونيفيل” غير واضحة، رغم تمسك باريس بالعرض الفرنسي – الإيطالي لتشكيل قوة أوروبية بديلة، ورغبتها في المشاركة فيها.

وتقول الخارجية الفرنسية إن لدى باريس حاليًا نحو 700 عسكري في لبنان، يمكن أن ينتقلوا من العمل تحت شعار الأمم المتحدة إلى القوة الجديدة عندما يتم التوافق عليها.

ومن المنتظر إجراء مشاورات جديدة في الأمم المتحدة حول هذا الملف، في وقت كان الأمين العام للأمم المتحدة قد قدم منذ الصيف الماضي 3 مقترحات لقوة بديلة تعمل بتفويض أممي.

إلا أن الملف لا يزال معقدًا، إذ تفيد المعطيات بأن واشنطن وتل أبيب تريدان أن تتولى اللجنة الثلاثية الأميركية – اللبنانية – الإسرائيلية، التي تشكلت في حزيران الماضي، وراثة مهمة “اليونيفيل”، وهو خيار يرفضه لبنان ويتمسك في مقابله بحضور دولي لتفادي أي فراغ أمني.

ويشكل هذا الملف، إلى جانب دعم الجيش والقوى الأمنية وتعزيز قدراتهما، محورًا أساسيًا في اجتماعات الوزيرين الفرنسيين مع المسؤولين اللبنانيين.

كما سيكون ملف حصر السلاح بيد الدولة حاضرًا بقوة، في ظل دفع باريس السلطات اللبنانية نحو مزيد من “الإقدام”، بالتوازي مع حضها على إنجاز الإصلاحات الاقتصادية والمالية والتوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي، إلى جانب الاستجابة للحاجات الإنسانية.

وكانت فرنسا قد وعدت بالدعوة إلى مؤتمر شامل لدعم لبنان على مختلف المستويات، وهو ما ورد في خلاصة الاجتماع الذي استضافته باريس الشهر الماضي.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى