
وضع وزير المالية ياسين جابر نتائج اجتماعات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في بانكوك في إطار “فرصة ثمينة” أمام لبنان، مؤكدًا أن الاهتمام الدولي بالإصلاحات اللبنانية بات أكثر وضوحًا، لكنه ربط ترجمة هذه الأجواء الإيجابية بإقرار قانون الفجوة المالية واستكمال إصلاح القطاع المصرفي، بالتوازي مع العمل على مشاريع ربط إقليمية يمكن أن تفتح أمام الاقتصاد اللبناني آفاقًا جديدة.
وفي حديث إلى “صوت المالية”، المنصة الرقمية الرسمية لوزارة المالية، بعد عودة الوفد اللبناني من الاجتماعات، قال جابر إن الانطباع الذي حمله الوفد من بانكوك هو أن لبنان أمام فرصة “يجب ألّا يضيّعها”، مشيرًا إلى اهتمام كبير أبداه صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والأصدقاء الأوروبيون، وإلى أجواء إيجابية طبعت اللقاءات الثنائية وانعكست في تصريحات مسؤولي الصندوق.
وشدد على أن المطلوب في المرحلة الحالية هو الحفاظ على هذه الفرصة من خلال إنجاز الإصلاحات الضرورية، معتبرًا أن لبنان قطع مسافة جيدة في هذا المسار، وهو ما شجّع الجهات الدولية على الإشادة بالتقدم المحقق وزيادة اهتمامها بالبلاد، بعدما لمست، بحسب قوله، نية واضحة لدى اللبنانيين للمضي في الإصلاح في مختلف المجالات.
ورأى جابر أن استكمال الإصلاح المصرفي سيشكل خطوة أساسية إلى الأمام، لافتًا في الوقت نفسه إلى أن علاقة لبنان بالبنك الدولي “ممتازة”، وأن الاجتماعات تناولت مختلف المشاريع التي يمولها البنك ويتابع تنفيذها ويشرف على مناقصاتها ومعايير الشفافية المرتبطة بها.
وكشف أن البنك الدولي بات يؤدي دورًا في تعزيز الانفتاح والتواصل بين دول المنطقة، ولا سيما لبنان وسوريا والعراق، من خلال مشاريع تطوير خطوط الربط، بما فيها السكك الحديدية والطرق السريعة، إلى جانب تسهيل حركة البضائع والأشخاص.
وأشار إلى أن هذا التوجه يحظى باهتمام خاص من رئيس مجموعة البنك الدولي، الذي شدد عليه خلال اجتماعه مع وزراء المالية العرب.
وأضاف أن المديرة العامة لصندوق النقد الدولي تحدثت بدورها عن الفوائد الاقتصادية لمثل هذا الانفتاح الإقليمي، مشيرة، بحسب جابر، إلى أنه يمكن أن يحقق لكل دولة من الدول المعنية نموًا إضافيًا لا يقل عن 2% في الناتج المحلي.
واعتبر وزير المالية أن هذه المعطيات تفتح آفاقًا مهمة أمام لبنان، لكنه شدد على الحاجة إلى جهد إضافي وتعاون بين الحكومة ومجلس النواب وجميع الأطراف المعنية لتثبيت التقدم المحقق.
ولفت إلى أن حاكم مصرف لبنان شارك في اجتماعات بانكوك ويعمل بدوره على الملف المصرفي، معربًا عن أمله في أن يقود تعاون جميع المؤسسات إلى مزيد من التقدم وعدم تفويت الفرصة المتاحة.
وفي ما يتعلق بالخطوات المطلوبة داخليًا، أوضح جابر أن الحوار بين لبنان وصندوق النقد الدولي مستمر بصورة أسبوعية ولساعات طويلة، بهدف الوصول إلى تفاهم كامل بشأن الإصلاحات المطلوبة.
وأكد أن الأولوية اليوم تتمثل في إطلاق ورشة مشتركة بين الحكومة ومجلس النواب لإقرار قانون الفجوة المالية، معتبرًا أن هذا القانون أساسي لاستعادة دور القطاع المصرفي.
وقال إن لبنان لا يستطيع التقدم من دون مصارف فاعلة تلتزم المعايير والقوانين الدولية، مشددًا على أن استمرار الاقتصاد النقدي لم يعد ممكنًا في ظل الاتجاه العالمي المتزايد إلى مكافحة هذا النموذج.
وأضاف أن النمو الاقتصادي بدوره لا يمكن أن يتحقق من دون مصارف قادرة على التسليف، وتسهيل النشاط التجاري، وتمويل المؤسسات، معتبرًا أن طبيعة الجهد المطلوب باتت واضحة، وأن المطلوب هو الانتقال إلى التنفيذ.
وفي ملف قانون إعادة هيكلة المصارف والطعن المقدم من رئيس الجمهورية، أشار جابر إلى أن المجلس الدستوري مقيد بمهلة زمنية للنظر في الطعن، وبالتالي لن يبقى الملف مفتوحًا لأشهر.
وأوضح أن أمام المجلس الدستوري مهلة 30 يومًا للبت في الموضوع، فيما أصبح مشروع قانون الفجوة المالية في مجلس النواب، على أن تبدأ اللجان النيابية درسه، وهي المعطيات التي تعوّل عليها وزارة المالية لمواصلة المسار الإصلاحي.
وتطرق جابر إلى التحديات الأمنية والسياسية التي ترافق الخطط الاقتصادية، مؤكدًا أن هناك مسارًا يعمل عليه رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب لمعالجة القضايا السياسية وتحقيق الأمن ودعم الجيش.
وأشار إلى زيارة رئيس وزراء قطر إلى لبنان، مؤكدًا أن الدوحة جددت دعمها للجيش اللبناني، إلى جانب رسالة قطرية واضحة تتعلق بدعم قطاعات مختلفة، وفي مقدمها الكهرباء.
وشدد وزير المالية على أن لبنان “يُعدّ للمستقبل”، معتبرًا أن العمل على تحقيق الأمن والاستقرار يجب أن يسير بالتوازي مع النهوض بالاقتصاد وتعزيز الانفتاح وتطوير علاقات لبنان بمحيطه.
وأكد أنه لا تعارض بين المسارين، بل إن المطلوب هو العمل عليهما في وقت واحد: تثبيت الأمن والاستقرار من جهة، وبناء الاقتصاد وتوسيع فرصه من جهة أخرى.
وتأتي مواقف جابر في وقت يسعى فيه لبنان إلى استكمال مسار الإصلاح المالي والمصرفي المطلوب دوليًا، وسط تركيز خاص على إعادة هيكلة القطاع المصرفي ومعالجة الفجوة المالية، باعتبارهما من الملفات الرئيسية المطلوبة لإعادة بناء الثقة وتحسين قدرة الاقتصاد على استقطاب التمويل والاستثمار.




