
كتب د. وسام صافي في جنوبية:
لا تقتصر خطورة شحنة المتفجرات التي ضُبطت على حاجز قوى الأمن الداخلي أثناء انتقالها من البقاع باتجاه بيروت على ملابسات حيازتها ونقلها، بل تتصل مباشرة بمسألة سيادة الدولة اللبنانية، وحصرية قرار الحرب والسلم، ومسؤولية الجهات التي تحتفظ بقدرة عسكرية مستقلة عن المؤسسات الشرعية.
وتزداد القضية خطورة في ضوء ما أُعلن عن ملكية حزب الله للشحنة وتخصيصها للحرب في الجنوب. فإذا تأكدت هذه المعطيات، فإنها تستوجب تحقيقاً شاملاً لا يقتصر على الناقلين، بل يشمل الجهات التي اتخذت قرار نقل المتفجرات، والغاية من العملية، ومدى توافقها مع القوانين اللبنانية.
من هنا، فإن المطالبة بإحالة الملف إلى المجلس العدلي ليست مجرد إجراء قضائي، بل اختبار لمدى استعداد الدولة لتطبيق القانون حين يتعلق الأمر بجهة تتمتع بنفوذ سياسي وعسكري واسع.
حربان وقرار خارج الدولة
لا يمكن فصل قضية المتفجرات عن السؤال الأوسع المتعلق بالقرارات التي أدخلت لبنان في مواجهات عسكرية لم يكن قرارها صادراً عن مؤسساته الدستورية.
ففي تشرين الأول 2023، فتح حزب الله جبهة المواجهة مع إسرائيل بالتزامن مع حرب غزة، معلناً أن تحركه يأتي دعماً للفلسطينيين. وقد ترتبت على تلك المواجهة أضرار بشرية ومادية واسعة في لبنان، ونزوح من قرى الجنوب، وتدمير منازل وبنى تحتية، فضلاً عن تداعيات اقتصادية واجتماعية لم تنتهِ آثارها بانتهاء المواجهات.
ثم عاد لبنان إلى الحرب في آذار 2026، بعدما أطلق حزب الله صواريخ باتجاه إسرائيل في أعقاب مقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، في سياق المواجهة الإقليمية بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: بأي حق يُزجّ لبنان في حرب ترتبط بأهداف إقليمية، من دون قرار صادر عن الدولة اللبنانية ومؤسساتها، ومن دون تفويض وطني واضح، فيما يتحمل اللبنانيون جميعاً النتائج؟
إن دعم غزة، مهما كانت مشروعيته السياسية والإنسانية، لا يمنح أي جهة حق اتخاذ قرار الحرب نيابة عن الدولة. وكذلك فإن مقتل قائد إيراني، مهما كانت تداعياته الإقليمية، لا يشكّل بحد ذاته مبرراً وطنياً كافياً لإدخال لبنان في مواجهة عسكرية جديدة.
ولا يعني ذلك تجاهل الاعتداءات الإسرائيلية أو إنكار حق لبنان في الدفاع عن أرضه، بل يعني أن الدفاع عن البلاد يجب أن يستند إلى قرار وطني مسؤول، لا إلى ارتباطات إقليمية تجعل أمن اللبنانيين رهينة حسابات تتجاوز مصالحهم المباشرة.
لماذا يجب إحالة الملف إلى المجلس العدلي؟
في ضوء هذه الوقائع، تكتسب المطالبة بإحالة قضية المتفجرات إلى المجلس العدلي أهمية تتجاوز حادثة الضبط نفسها. والمطلوب أن يشمل التحقيق، في حدود الاختصاص القانوني والأدلة المتوافرة، المسؤولين عن الشحنة، والجهات التي أمرت بنقلها، وأي صلة محتملة بينها وبين قرارات عسكرية أو عمليات أخرى تهدد أمن الدولة.
كما ينبغي بحث المسؤولية القانونية عن القرارات التي أدخلت لبنان في المواجهات العسكرية، إذا توافرت بشأنها أفعال محددة تندرج ضمن جرائم يعاقب عليها القانون اللبناني وتدخل في اختصاص المجلس العدلي.
وعليه، فإن المطلوب ليس الاكتفاء بملاحقة أفراد تولوا نقل المتفجرات، بل التحقيق في المسؤوليات التي قد تمتد إلى مستويات قيادية، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته، أياً كان موقعه السياسي أو التنظيمي.
إن المطالبة بإحالة الملف إلى المجلس العدلي يجب أن تكون واضحة، لكن ضمن الأصول القانونية: فلا إدانة مسبقة، ولا حصانة سياسية، ولا تعطيل للتحقيق تحت ضغط التوازنات. فالإحالة ليست حكماً بالإدانة، بل مسار قضائي يجب أن يستند إلى الوقائع والشروط القانونية.
تأجيل القرار لا يجوز أن يتحول إلى تعطيل للمحاسبة
قد يكون الحفاظ على الاستقرار الداخلي سبباً مشروعاً للتريث في بعض الإجراءات، لكن لا يجوز أن يتحول إلى مبرر لتجميد ملف يمس الأمن الوطني. فالدولة مسؤولة عن منع التصعيد الداخلي، لكنها مسؤولة أيضاً عن حماية مواطنيها من قرارات عسكرية تُتخذ خارج مؤسساتها.
وإذا كانت الحكومة مقتنعة بمبدأ حصرية السلاح وقرار الحرب والسلم، فعليها أن تترجم هذا المبدأ إلى إجراءات ملموسة. ويبدأ ذلك بحسم طلب الإحالة وفق القانون، واستكمال التحقيقات بلا تدخل سياسي، وضمان عدم إعادة المتفجرات إلى أي جهة خارج الإجراءات القانونية.
إن التساهل مع جهة نافذة يضعف ثقة المواطنين بالدولة، كما أن توجيه الاتهامات بلا أدلة يسيء إلى العدالة. والمطلوب هو الحزم في المبدأ والدقة في الإجراءات، لا المساومة السياسية ولا التصعيد غير المحسوب.
لا سيادة مع ازدواجية القرار
تكشف قضية المتفجرات عن مشكلة أعمق من مجرد حيازة مواد خطرة: إنها مشكلة ازدواجية السلطة العسكرية والقرار الوطني. فلا يمكن للدولة أن تتحمل مسؤولية حماية اللبنانيين، فيما تبقى قرارات الحرب مرتبطة بقيادة حزبية أو بحسابات إقليمية لا تملك المؤسسات اللبنانية التحكم بها.
إن المطالبة بإحالة ملف المتفجرات إلى المجلس العدلي يجب أن تترافق مع مساءلة قانونية جدية عن الأفعال والقرارات التي قد تكون أدخلت لبنان في حروب لا يملك قرارها. أما تحويل القضية إلى مجرد خلاف سياسي حول حزب الله، أو الاكتفاء بتبادل المواقف، فلن يعالج أصل الأزمة.
إن المطلوب من الدولة ليس معاقبة جهة بسبب هويتها السياسية، بل التحقيق في مسؤولية كل من اتخذ أو نفّذ قرارات عسكرية خارج إطارها الشرعي، ومحاسبته إذا ثبت ارتكابه جرائم يعاقب عليها القانون. فلا دعم غزة يبرر احتكار قرار الحرب، ولا الانتقام لمقتل المرشد الإيراني يشكّل تفويضاً بإقحام لبنان في مواجهة إقليمية.
إن سيادة لبنان تبدأ حين يصبح قرار الحرب والسلم مسؤولية مؤسساته، وحين يخضع الجميع للقانون من دون استثناء. أما إذا بقي اللبنانيون يدفعون ثمن قرارات لم يشاركوا في اتخاذها، وبقيت المساءلة تتوقف عند حدود النفوذ السياسي والعسكري، فإن الدولة ستظل عاجزة عن ممارسة سيادتها كاملة.
والسؤال الذي ينبغي أن يواجهه المسؤولون اليوم ليس فقط ما إذا كانت شحنة المتفجرات ستُحال إلى المجلس العدلي، بل ما إذا كانت الدولة مستعدة أخيراً لمحاسبة كل من يعرّض أمن لبنان ومستقبله للخطر، أياً تكن الجهة التي ينتمي إليها.




