
نقلاً عن موقع “أطلس” الأميركي
مع تصاعد “طبول الحرب” مجددا في المنطقة، وتعثر المساعي الدبلوماسية بين واشنطن وطهران، وفي ظل تزايد التهديدات الاسرائيلية، تشهد الساحة اللبنانية حراكا دبلوماسية لافتا في محاولة لتجنيب البلاد اتون حرب جديدة قد تكون نتائجها وتداعياتها اكثر قسوة من الجولات السابقة.
وفي هذا السياق، جاء الاصرار من قبل الرئاسة اللبنانية على المشاركة في مفاوضات تامبا العسكرية في فلوريدا على الرغم من الادراك المسبق بان امكانية احداث اختراق في المحادثات مع الجانب الاسرائيلي غير متاح راهنا في خضم الكباش السياسي القاسي في “اسرائيل” عشية الانتخابات التشريعية التي سيكون لنتائجها انعكاسات على منطقة الشرق الاوسط وكذلك لبنان الذي يحاول في “الوقت الضائع” تكثيف اتصالاته مع الدول الصديقة في الاقليم والعالم لتحييد الساحة اللبنانية وتقليل الخسائر اذا كانت القدرة على تجنبها صعب في هذه المرحلة البالغة الصعوبة.
فالاتصالات التنسيقية مع واشنطن لم تتوقف، والجهود مستمرة لدفع الادارة الاميركية لاتخاذ خطوات عملية للضغط على الجانب الاسرائيلي للتقييد باتفاق الاطار من خلال اقرار مناطق تجريبية جديدة، والتفاهم على آلية التحقق والمراقبة والدول المعنية بهذه الاجراءات. لكن جولة المفاوضات العسكرية لم تفض الى نتائج جدية وتبقى الامور معلقة ربطا باستحقاق الانتخابات الاسرائيلية.
وفي هذا السياق، تشير مصادر رسمية الى ان الرئيس اللبناني يحاول الاستفادة من الحضور العربي حيث استقبل الامين العام للجامعة العربية نبيل فهمي الذي نقل رسالة دعم عربية الى لبنان، كما تحاول الرئاسة الاولى الاستفادة من الاهتمام القطري والفرنسي بالملف اللبناني وتعزيز قنوات التواصل،وتتصدرالاولويات في هذه المرحلة تعزيز الوضع الاقتصادي في لبنان، كذلك ثمة سعي لتعزيز قدرات المؤسسات الأمنية لرفع جهوزيتها في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية..
اما مسالة الترتيبات الأمنية في الجنوب، لا سيما مع اقتراب انتهاء ولاية قوات “اليونيفيل” نهاية العام، فتتقدم على ما عداها من ملفات ملحة، وسط تساؤلات حول آليات ضمان الاستقرار ومنع نشوء فراغ أمني، وتتكثف الاتصالات مع الدول الاعضاء في الامم المتحدة لتذليل العقبات ومحاولة ايجاد البدائل في ظل “الفيتو” الاميركي.
وثمة مقترح لبناني يقضي بإنشاء بعثة مراقبة جديدة تحتفظ بصلاحيات توثيق الانتهاكات ومراقبة الخط الأزرق، مع استمرار وجود عناصر دوليين قادرين على التنسيق بين الجيش اللبناني وقوات الاحتلال الإسرائيلي لمراقبة تنفيذ القرار 1701. لكن واشنطن لا تزال سلبية للغاية في مسالة تحديد المهمة المقبلة لاي قوات مفترضة، وتتمسك ايضا بتعديل صلاحياتها، مع دراسة ترتيبات أقل حجمًا وكلفة، تركز على مراقبة الحدود ومساندة السلطات اللبنانية في تنفيذ التزاماتها الأمنية، اي نزع سلاح حزب الله.
هذه المعضلة التي تهدد الاستقرار الداخلي اللبناني، تتطلب مواكبة حثيثة من قبل الرئاسة الاولى عبر اتخاذ اجراءات داخلية تعزز بسط السلطة الشرعية على كامل التراب اللبناني، وفي هذا السياق، تتوالى القرارات الحكومية والقضائية الآيلة الى حصر السلاح بيد الجيش ومنع اي مظاهر مخلة بالامن الداخلي، مع الحفاظ على مناخات الاستقرار الداخلي ومنع البلاد من الانزلاق الى الفوضى. واذا كان هذه المهمة شائكة وتحتاج الى جهود مضنية، فان تلك المصادر تشير الى ان هذا الملف يقع على عاتق الرجل الأكثر موثوقية لدى الرئيس عون، مستشاره الاول أندريه رحال الذي يمتلك خبرة طويلة في ادارة الحوارات، ويحتفظ بمروحة واسعة من العلاقات مع كافة الأطراف السياسية في البلاد، ويعمل في الكواليس لابقاء الاوضاع الهشة في البلاد تحت السيطرة ومنع انزلاق البلاد الى الفوضى.
ووفق تلك الاوسط، تسمح شبكة العلاقات الخارجية والداخلية لمستشار الرئيس الاول بتدوير الزوايا، فهو رجل “ظل” الرئيس الذي ينجح في خلق مناخات تهدئة تحتاج اليها البلاد، ويمنحه حضوره الدائم في اللقاءات العلنية للرئيس مع الوفود الدبلوماسية العربية والغربية، اطلاعا شاملا على كافة التطورات المتصلة بالوضع اللبناني، فيما تشكل مهامه “وراء الكواليس” حجر الزاوية في بناء تفاهمات بين الاضداد في السياسية، ما يعرضه دوما لحملات سياسية وإعلامية للتأثير على دوره وعرقلة مساعيه الحميدة، لكنه لا يزال يحظى بثقة الرئيس الذي يمنحه هامشا واسعا من الصلاحيات بناء على نجاح تجاربه السابقة ومناقبيته في تنفيذ المهام الموكلة له.
هذه المهام تتعرض لاختبارات صعبة في هذه المرحلة.أسرائيل تواصل اعتداءاتها على القرى والبلدات الجنوبية ما يحول دون تمكين الجيش اللبناني من الانتشار حتى الحدود الجنوبية الدولية تنفيذا للقرار ١٧٠١.الوضع الامني الداخلي يتصدر المشهد مع ازدياد التوتر مع حزب الله على خلفية توقيف شاحنة تحمل متفجرات قبل ايام. والمطلوب الان توازن دقيق للحفاظ على الأمن والاستقرار، وفي الوقت نفسه تنفيذ قرارات السلطة السياسية للتشدد في تطبيق القوانين ومنع المظاهر المسلحة ومصادرة الأسلحة والذخائر والإسراع في التحقيقات، وإحالة المخالفين على القضاء المختص لإجراء اللازم. فهل يتحقق التوازن في ظل هذه التعقيدات الداخلية والخارجية؟


