سوق الديرة أيقونة التراث القديم.. فتراث الرياض لا ولن ينمحي

سوق الديرة وجهة سياحية مميزة وجاذبة لكافة الأجيال

لبانون عاجل – فاتن نصرالدّين

شهدت الرياض تطورا اقتصادياً وعمرانياً كبيراً على مدى سنوات عديدة؛ فجذبت الاستثمارات الأجنبيّة وامتلأت شوارعها بالمراكز التّجاريّة، والمولات، ودور السينما وغيرها، إلا أنّ ذلك لم يمنع من الحفاظ على تراثها العريق. وأفضل مَثَل على ذلك، “سوق الديرة” الذي يتميّز بالعراقة والأصالة ويعجّ دائماً بالزوّار والسيّاح.

ويبقى الحنين الى تراث الآباء والأجداد له نكهتهُ الخاصّة، ويتجلّى ذلك في إقبال المئات من الزوّار الى سوق الدّيرة الشعبي والذي لا يزال حتّى يومنا هذا يشدّ الصغار قبل الكبار لزيارته. فبالرغم من التطور الاستهلاكي ومواكبة المدينة لخطوط الموضة، إلا أن السوق يشهد إقبالا كثيفاً من أسراب العوائل الذين تأسرهم رائحة الأسواق الشعبية.  ولا يقتصر الأمر على الكبار بالسنّ، بل إنّ أولادهم أيضاً، يتوجّهون الى الدّيرة مؤكدين على جيل أبنائهم أن هذه الأسواق لا تزال يخرج من رحمها أكبر الأسماء التجارية المعروفة. والجدير ذكره، أن الاستثمار التجاري لحق بالأسواق القديمة، فتوسعت آفاقه. والدّليل هو صمود تلك الأسواق حتى باتت وجهة سياحيّة بامتياز.

مراحل تطور بناء الأسواق الشعبية

عرفت الأسواق في الجزيرة العربية منذ القدم، وكان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أول من قام باختيار وتحديد موقع معين للسوق في المدينة المنورة، وهو عبارة عن ساحة فضاء من الأرض لم يسمح بالبناء فيها؛ لتُستغل من قبل أهل المدينة دون مقابل، ويفترش فيها الباعة بضاعتهم وسلعهم على الأرض في الأماكن التي يختارونها.

بدأت عمليّة بناء الأسواق بدءاً من عهد معاوية بن أبي سفيان، تبلورت في عهد هشام بن عبد المللك، لتبلغ قمة تطورها في العصر العثماني. وأما في العهد السعودي استمر النمط المعماري للأسواق الشعبية على النمط السائد في المنطقة التي تقع فيها، ويفضل إبراز الطابع الحملي في الشكل والتصميم واحتواء كل العناصر الطبيعية كالصخور والنباتات والأشجار والرمال، وأيضا تلك التي صنعها الإنسان المحملي، ويشمل ذلك مواد البناء من: صخور وأخشاب ومعادن؛ لتشكيل الطرز المعمارية.
يقع سوق الدّيرة جنوب ساحة الإمام محمد بن سعود في موقع سوق المقيبرة القديم بجوار مبنى أمانة مدينة الرياض، ويضم السوق اليوم 400 محل تجاري لبيع سلع متنوعة، من ملابس تراثية، وصناعات حرفية يدوية، المشغولات والنحاسيات والانتياكات من الاسطوانات والراديوهات العتيقة، ومحال البخور، وصناعة البشوت وكل تراثيات الزمن الجميل، بالاضافة لمكاتب ‏للصرافة وأنشطة أخرى متعددة، وقد تم تطوير سوق الديرة من قبل الشركة السعودية لمركز المعيقلية التجاري.

نفحة معطّرة بالعود وراديو خشبيّ قديم مع رائحة المعمول الدُّوسريّ.. رمز لأصالة الدّيرة

بذلت الشركة السعودية لمركز المعيقلية التجاري جهوداً ملموسة لتطوير السوق الذي بات يشهد إقبالاً واسعاً من التجار والمتسوقين وخاصة الأجانب من زوار الرياض اللذين يتوافدون الى السوق لشراء السلع التراثية التي تتزين بها بيوتهم. فباتت الفتيات المقبلات على الزواج تتّجهن الى هذا السّوق العريق لتشتري منه كل ما يخصّ العروس من العطورات الشرقية والمشغولات اليدوية. وإذا بجيل الشباب من مختلف الأعمار، ينظّمون رحلات سياحيّة إليه. ليس هذا وحسب، بل بتنا نشاهد راديو خشبي عتيق أو مشغل الأسطوانات النحاسي القديم، على رفوف كل بيت من بيوت العاصمة. ناهيك عن رائحة المعمول الدوسري التي تعبق في المكان والذي تصنعه أيدي النسوة المتخصصات في صناعة البخور إضافة الى أطيب روائح العود.

وُجهة سياحيّة للمشاهير ورئة تتنفّس من خلالها الأسر السعوديّة المُنتجة

يعدّ سوق الدّيرة الرئة الثالثة التي تتنفّس من خلالها الأسر المنتجة في السعوديّة؛ ويُشهد على إبداع هذه الأسر من رجال ونساء في صناعة الحرفيّات، وأفخر البشوت من أجود أنواع الأقمشة وما يتبعه من صناعة الجلود والأحذية التراثية المعروفة في منطقة نجد.

هذا وأخذ المشاهير على مواقع التواصل الاجتماعي يتسابقون على زيارة السوق، وتوثيق لحظات جولاتهم فيه، وتصوير كافة المحال والإعلان لما تطرزه أنامل الأسماء المعروفة  في السوق منذ سنوات في شهادة لا يشوبها نقص عن جودة الصناعات التراثية التي لا يتقنها سوى الحرفيات والحرفيين، مما ساهم بشكل لافت في جذب بوصلة تسوق المستهلكين تجاه سوق الديرة خاصة في إجازة نهاية الأسبوع والإجازات الموسمية، حيث يأخدك السوق الذي يمزج بين تراث الماضي ومتطلبات الحاضر. هذا السوق وكغيره من الأسواق الشعبيّة ساهم في جذب الكثيرين، لتميّزه بالتراث الأصيل؛ فبالرّغم من كثافة العروض التي تطلقها منصات التجارة الالكترونيّة إلا أنّ عبق سوق الديرة يظل فريداُ من نوعه يحكي حكايات أجيال تتعاقب عليه بشكل يتناغم بين جيل الآباء واجيال الطفرة التنموية.

وتبقى الألسواق الشعبية من أهم الأماكن التي تجذب المقيمين والسياح؛ إذ يتم فيها مزاولة الحرف اليدوية والصناعات التقليدية بأنواعها المتعددة، وعرض للمنتجات التراثية وبيعها، وهذا ما دفع الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني إلى إيلاء الأسواق الشعبية إهتماما كبيراً، حيث أنها تعمل بالشراكة مع وزارة الشؤون البلدية والقروية، على برنامج تطوير الأسواق الشعبية القائمة وإعادة تأهيلها، في خطوة طموحة للحفاظ على هذه الألسواق وتحفيز دورها في مجال السياحة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى