٣٦٥ يوماً على إنفجار المرفأ… أين الحقيقة؟

 

سنة على مرور ٤ آب و لا تزال الحقيقة مخفيّة.

 فيما لا تزال التحقيقات مستمرّة، هل شارف الملف على الإنتهاء؟ و الأهمّ هل من نتيجة عادلة تشفي و لو ١ في المئة من جرح الضحايا و من جروح ٨٠٠ جريح؟

أبرز ما جاء في الصّحف اللّبنانيّة :

النهار:

4 آب 2021 دولة مشبوهة تخطف الحقيقة

سنة على زلزال انفجار مرفأ بيروت في 4 آب 2020، لعل العبارة وحدها تكفي لاختصار مجلدات عما حلّ بلبنان واللبنانيين منذ ذاك الموعد التاريخي بشؤمه القياسي بلوغاَ الى اليوم تحديداً أي الذكرى السنوية الأولى للانفجار. لعلّ ما قيل داخلياً وخارجياً في مجزرة انفجار المرفأ التي اعادت لبنان الى عناوين الكوارث العالمية بما زاحم عنوان جائحة كورونا الموازية عالمياً فاق وتجاوز كل ما سبق المساحات الإعلامية والسياسية والديبلوماسية والقضائية وحتى الحربية التي انشغل بها العالم بلبنان طوال حقبات حروبه وازماته في الأربعة عقود الأخيرة. ومع ذلك، لا مغالاة في القول في ان أسوأ الأسوأ في حصيلة السنة ما بين الانفجار والذكرى السنوية الأولى لاحياء ذكرى شهدائه وجرحاه ومتضرريه مع كل تداعياته على المستوى الوطني والقضائي والإنساني والاجتماعي يختصر في اجتماع يكاد يصبح “كونياً” على ان هذا الزلزال وما تسبب به، لم يكن أولا وأخيرا وأياً تكن أسبابه وملابساته وظروفه المباشرة وغير المباشرة الا نتيجة حاسمة لا جدال حولها لرزوح لبنان تحت وطأة دولة فاشلة فاسدة ومشبوهة بكل المعايير. ولم يكن أدل على ثبوت وثبات هذه الحقيقة المفجعة المدوية من مرور سنة تناوب خلالها على التحقيق العدلي في مجزرة الانفجار محققان عدليان فيما لا تزال الدولة الفاشلة إياها تعاند وتكابر وتعرقل مهمة التحقيق وتأسر تالياً الحقيقة التي كان يتعين ان تكون كشفت المجرمين او المتواطئين او المتخاذلين او المقصرين او المهملين في “سر الاسرار” الدفين المتصل أولاً بمن احضر الاف أطنان نيترات الامونيوم الى مرفأ بيروت وخزنها في ذاك العنبر سنوات وسنوات قبل ان ينفجر جزء من الكمية مزلزلا بيروت، وكيف انفجر وبأي طريقة وظروف وملابسات. أما الطبقة السياسية، فلم تكن بمعظم قواها بصورة افضل من الدولة والسلطة وسط هبوط مخيف في المهابات جعل المجزرة تتحول ساحة مباراة معيبة ومخجلة وهابطة للمزايدات واللعب على العواطف والاستثمار السياسي الرخيص الامر الذي فجر أخيرا ملف الحصانات ولم يقفل بعد على أي نهاية.

وسط هذه الأجواء القاتمة ستتجه الأنظار اليوم الى مرفأ بيروت وسط استعدادات شعبية كثيفة للمشاركة في الذكرى توازي حجم الجريمة التي حصلت وأودت بحياة 218 شخصا واكثر من 6500 جريح وتشريد عشرات الألوف من منازلهم ومؤسساتهم  وإحداث دمار هائل في بيروت. وفي إدانة صارمة جديدة للسلطة عشية احياء الذكرى أصدرت منظمة “هيومن رايتس واتش” الدولية تقريرا دلّ مجدداً الى تقصير الطبقة الحاكمة بدءاً برئيس الجمهورية نفسه، في حماية المدنيين من الانفجار . وأشار التقرير إلى وجود أدلة قوية تشير إلى أن بعض المسؤولين اللبنانيين علموا وقبلوا ضمنيا بالمخاطر التي تشكلها مادة نيترات الأمونيوم التي كانت مخزنة في مرفأ بيروت قبل الانفجار المروع . ويخلص التقرير الذي يقع أكثر من 127 صفحة ويشمل نتائج ووثائق إلى أن هناك أدلة الى أن عددا من المسؤولين اللبنانيين ارتكبوا جريمة الإهمال الجنائي بموجب القانون اللبناني. وتتبع التحقيق أحداثا ترجع إلى عام 2014 وما بعده في أعقاب جلب الشحنة إلى مرفأ بيروت، كما رصد تحذيرات متعاقبة بشأن خطورة هذه الشحنة إلى جهات عدة رسمية. ودعت المنظمة مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة إلى إجراء تحقيق في الانفجار وحثت الحكومات الأجنبية على فرض عقوبات على المسؤولين تتعلق بحقوق الإنسان والفساد. وقال تقرير هيومن رايتس إن الرئيس #ميشال عون ورئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب والمدير العام لأمن الدولة اللواء طوني صليبا ووزراء سابقين طلب القاضي بيطار إفادات منهم، تقاعسوا في اتخاذ إجراءات لحماية الناس على الرغم من إبلاغهم بالمخاطر.

عون  والوعود

ولكن الكلمة التي القاها الرئيس عون مساء امس في المناسبة غلب عليها طابع المحاولات الاحتوائية للغضب العارم من خلال وعود بتبديل الأحوال. وقال “أشعر بآلام الأهل والأصدقاء الذين فقدوا أحباءهم في هذا الانفجار، وأنا واحد من الذين فقدوا غالياً يومها…لهذا أقولها بالفم الملآن، من أجل جروحات اللبنانيين المفتوحة، ومن أجل التاريخ: نعم للتحقيق النزيه والجريء وصولاً إلى المحاكمات العادلة.

نعم للقضاء القوي، الذي لا يتراجع أمام صاحب سلطة مهما علا شأنه، ولا يهاب الحصانات والحمايات، من أجل تحقيق العدل، ومحاسبة المتسببين بهذا الانفجار.

فليذهب القضاء إلى النهاية في التحقيق والمحاكمات، وأنا معه، وإلى جانبه، حتى انجلاء الحقائق وتحقيق العدالة. وعندما يضع رئيس الدولة نفسه بتصرف القضاء لسماع إفادته فلا عذر لأحد بأن يمنح نفسه أي حصانة، أو يتسلح بأي حجة، قانونية كانت أم سياسية ،  كي لا يوفّر للتحقيق كل المعلومات المطلوبة لمساعدته في الوصول إلى مبتغاه… إنني إذ ألتزم الدستور وأحترم فصل السلطات، لا أرى ما يمنع على المحقّق العدلي أن يستجوب من يعتبره مفيداً للتحقيق، لا سيما وأن المحاكمة العادلة هي التي لا تبَرّئ ظالماً ولا تظلُم بريئاً، لذلك من المناسب ترك التحقيق يأخذ مجراه بعيداً عن الضغوط من أي جهة أتت”.

وتطرق عون الى الملف الحكومي فقال “كم كنت أتمنى أن تصدر مراسيم التشكيل في أسرع وقت ممكن، لكني أعاهدكم أني سأسعى، يداً بيد مع الرئيس المكلف، ووفقاً لمقتضيات الدستور، إلى تذليل كل العراقيل في وجه تشكيل حكومة إنقاذية، قادرة بخبرات أعضائها وكفاءَاتهم ونزاهتهم أن تنفّذ برنامج الإصلاحات المطلوبة والمعروفة”.

مجموعة الدعم الدولية

وعلى الصعيد الديبلوماسي والسياسي الدولي وعشية مؤتمر الدعم الدولي الثالث الذي تنظمه فرنسا اليوم لحشد المساعدات للبنان ، حضت مجموعة الدعم الدولية من اجل لبنان  بعد اجتماعها امس “السلطات اللبنانية على الإسراع في استكمال التحقيق في انفجار المرفأ من اجل كشف الحقيقة وتحقيق العدالة”. وأعربت عن “قلقها الشديد للتدهور الاقتصادي المتسارع الذي تسبب في ضرر بالغ لجميع شرائح المجتمع اللبناني ومؤسساته وخدماته”. ودعت المجموعة السلطات اللبنانية “إلى تحمل مسؤولياتها الوطنية واتخاذ جميع الخطوات الممكنة على وجه السرعة لتحسين الظروف المعيشية للشعب اللبناني” كما دعت “القادة اللبنانيين إلى أن يبادروا دون تأخير الى تقديم الدعم لتشكيل حكومة ذات صلاحيات تمكنها من تطبيق إصلاحات مجدية.”

التأزم الحكومي 

اما على الصعيد الحكومي، فلم يطرأ أي جديد في انتظار اللقاء الخامس غداً بين رئيس الجمهورية والرئيس المكلف نجيب ميقاتي علما ان الاجواء والمعلومات التي انتشرت على نطاق واسع بعد الاجتماع الرابع الذي لم يدم اكثر من 25 دقيقة اثارت الكثير من الشكوك في نيات العهد لجهة إعادة تفخيخ طريق التأليف بالتعقيدات . وبدا واضحا حتى الان ان العهد يرفض ان تذهب حقيبة الداخلية الى غير فريقه كما انه يصر على المداورة في الحقائب السيادية وذكر ان نبرة عون خلال اللقاء الأخير مع ميقاتي جسدت تحفزه لاستعادة التعامل بشروط سلبية مع ميقاتي اسوة بتعامله سابقا مع الرئيس سعد الحريري الامر الذي يثير الشكوك العميقة عما اذا كان العهد يرغب فعلا في تسهيل مهمة ميقاتي .

وما يؤكد ذلك ان مصادر مطلعة على موقف بعبدا بررت أمس طرح مسألة اعتماد المداورة الشاملة في توزيع الحقائب الوزارية “بأنه لا يستجيب للمبادرة الفرنسية التي وافقت عليها جميع الاطراف فحسب، بل كذلك يهدف الى عدم تكريس اعراف جديدة مخالفة للدستور لجهة تخصيص حقائب وزارية الى طوائف محددة وحجبها عن طوائف اخرى ما يحدث تمييزاً بين الطوائف اللبنانية من جهة ويخالف مبدأ المساواة بين اللبنانيين ويجعل طوائف معينة تحتكر وزارات محددة وتمنعها عن طوائف اخرى، ما يؤثر سلباً على الميثاقية ويضرب الشراكة الوطنية في الصميم”. واعتبرت هذه المصادر “ان وثيقة الوفاق الوطني لم تلحظ حصرية في توزيع الحقائب الوزارية على الطوائف بدليل انه منذ البدء بتطبيق اتفاق الطائف توزعت كل الطوائف على الوزارات كافة لاسيما منها الوزارات السيادية التي لم تكن حكراً على طائفة محددة ، وان ما حصل خلال السنوات الاخيرة من تخصيص حقيبة وزارية او اكثر لطائفة محددة او طائفتين، أحدث حالات تتناقض ومبدأ التوازن الوطني الذي اختل وسبّب خلافات سياسية اعاقت في حالات كثيرة عمليات تشكيل الحكومات وفي احسن الاحوال تأخيرها، ومن غير الجائز ان يستمر هذا الخلل”.

نداء الوطن

القاضي بيطار : إما أن أنجح و إما أن أنجح”و الملف شارف على الإنتهاء

365 يوماً على إنفجارٍ لم نتوقع مثله حتى في أشد الكوابيس رعباً. و175 يوماً على 9 شباط، يوم استلم إبن عيدمون القاضي طارق بيطار ملف جريمة مرفأ بيروت من سلفه القاضي فادي صوان. لم يحسده أحد. فالمهمة تبدو، لمن يعرف لبنان و”فجور” كثير من سياسيي لبنان، مستحيلة. لكنه، وهو القائل في البداية: أبعدوا عني هذا الكأس”، عاد وتجرعه باسمِ تحقيق العدالة اللبنانية. فهل سيتمكن من فرض العدالة؟ هل في الكأس سمّ؟ كل الشعب قال له: “معك”. فهل يكفي الدعم الشعبي ليعبر “الأفخاخ” ويتابع وهو العامل بمقولة: إما أن أنجح وإما أن أنجح؟

ليس سهلاً أن يجد قاض شاب، في السابعة والأربعين، نفسه في مواجهة “الغيلان” الكثيرة المحيطة بملفٍ شائك ملقى على منكبيه ويظل يقول: “العدالة ثمينة جداً حتى ولو كلفت غالياً”. هو اليوم، بحسب عارفيه، لا يأكل طوال النهار ولا يشرب “فالعمل كثير. وهو يعاني، لكثرة جلوسه الطويل للقراءة في الأوراق والمستندات، آلاماً مبرحة في الظهر. إنه كمن يمشي وحيداً في البرية ومعه أربعة مساعدين فقط، أربعتهم دخلوا السلــك القضائي حديثاً.

يجهل عارفوه إذا كانت “الإنسانية” الفائضة فيه تفيده أم لا لكنهم يذكرون أنه من المؤمنين تماماً بعدم إمكانية “أن يكون المرء عادلاً ما لم يكن إنساناً”. هو يحفظ أسماء قتلى الإنفجار واحداً واحداً. ويتابع، من بعيد الى بعيد، ودائماً بحسب معارفه، أحوال أهلهم. تزوج عن حبٍّ من جارة بلدة عيدمون جولي حاكمه (إبنة القبيات) ورزقا بولدين هما كريستينا (13 عاماً) وإيلي (9 سنوات). كريستيل العضم التي قتلت في الإنفجار إسمها يكاد لا يغيب عن باله. إسمها يشبه قليلاً إسم إبنته. أسماء أخرى لا تغيب عن باله: الياس، ألكسندرا، إسحق. هم أطفال اعتقدوا أنهم في أكثر الأمكنة أماناً. في منازلهم.

هو إبن فايز البيطار، الذي أنجب خمسة أولاد، كبروا في طرابلس، في بيئة متواضعة، وأورث أولاده الخمسة “الإنسانية ثم الإنسانية ثم الإنسانية”. لسنا نبالغ في ذلك. فكل من يعرفونه يُجمعون على هذه السمة التي فيه. كثيرون يسألونه: غريبٌ ألا تُستفزّ من كل ما تتعرض له؟ ووحدها إبتسامته الهادئة تجيب هؤلاء.

هو لا يُستفزّ لكنه يشعر بالغبن أحياناً. وهذا ما مرّ فيه حين سمع أنه التقى سليم جريصاتي في القصر الجمهوري. هو يسمع “فبركات” كثيرة عنه فهل يردّ أو لا يرد؟ يعيش هذا التجاذب لكنه يقرر دائماً ألا ينظر إلا الى الأمام. عارفوه يعرفون أنه لم يزر قصر بعبدا يوماً في حياته. وهو لم يلتقِ يوماً بالرئيس ميشال عون وجهاً لوجه. أما سليم جريصاتي فرآه مرة واحدة يوم عُيّن وزيراً للعدل، في تهنئة عامة. ويُنقل عنه قوله: لم أجتمع بسياسي في حياتي، حتى جبران باسيل الذي قيل في البداية، يوم التشكيلات، أنه محسوب عليه فلم يلتقِ به في حياته ولم يحصل حتى ولو إتصال واحد بين الإثنين. مرّة واحدة فقط حصل، في النيابة العامة في الشمال، إشكال غير مباشر بين الرجلين في ملف. وما عدا ذلك لا شيء بين الطرفين.

هو لا يعرف كيف يُقفل بابه في وجه أحد لكنه يرفض الكلام، في المطلق، في جديد قضية جريمة المرفأ. وموظفو قصر العدل يحكون عن خصاله ويُسهبون. وهو يستقبلهم بالـ”أهلاً وسهلاً” ويرافقهم عند المغادرة الى الباب. قدماه على الأرض. وأكثر المحامين فظاظة إذا سُئل عن القاضي الذي يُفضل لو يحكم في قضية يتولاها لقال: طارق بيطار. وتشرح محامية هذه النقطة بقولها: هو يحترم الجميع. حتى من يمثل أمامه. يُعامل المتهم على أنه بريء الى حين تثبت إدانته. إحدى المرات طلبت إحدى عاملات التنظيف أن تطرح عليه سؤالاًِ فاستقبلها على الباب وجلس معها وشرح لها ما تريد وودعها بابتسامته الهادئة. فخرجت مليئة بفيض من الفرح مرددة أمام جميع من في القصر: الآن علمت سبب تميّز هذا القاضي. هو مستمع جيد جداً. وتعاليمه واضحة: تمرير الملفات يومياً حسب الأولوية التالية: الضباط لهم اولوية وذوي الإحتياجات الخاصة والمحامون الكبار في العمر والنساء الحوامل. تتذكر إحدى رئيسات القلم أن النقيب عصام كرم كان يُقدم دائماً أمامه محاضرات تبدأ ولا تعود تنتهي. فقامت بإرجاء ملفه قليلاً. وحين رأى كرم سألها: أين ملفه؟ يرفض القاضي بيطار تأمين راحته على راحة الآخرين.

 

قضية قتل عاصمة

سُئل مرة: أنت تستلم قضية أكبر حتى من قضية إغتيال الرئيس رفيق الحريري فأجاب: أنا أستلم قضيـة قتل عاصمة.هو كاثوليكي، أما زوجته مارونية، وحين يتحدث بلغة البلد الطائفية يقول عن نفسه مبتسماً: أنا ماروني مكسور سمه. قليلة هي المرات التي يبتسم فيها. فحيثيات القضية التي يحملها تجعل الإبتسامة مستحيلة. الإعلام العالمي يتصل به يومياً. شبكة الـ “سي أن أن” والتلفزيون الفرنسي لكنه يصرّ على عدم الظهور الإعلامي. فالإعلام قد يؤذي أحياناً أكثر مما يفيد. ويُنقل عن مقربين منه أمنيته لو كان يستطيع ان يطل على “المتألمين” من اللبنانيين وكم هم كثيرون ليُعلن تباعاً التطورات في قضية العصر. ويتابع هؤلاء “أن التحقيق قد وصل الى خواتيمه، الى أكثر من 80 في المئة من مساره، وظهرت فيه حقائق كثيرة لجهة من أسماء من أتوا بالنيترات ومن أبقوها ومن أخذوا منها وإذا أراد أحد نقل الملف من يده الى “القضاء الدولي” أو أي قاض آخر يكون قد أخذ الملف شبه كامل.

هو انطلق فيه من النقاط الأقل حراجة، التي لا تعيق مساره، ووصل حالياً الى النقاط الشائكة أكثر التي تقتضي إستجواب مسؤولين تحت حجة الحصانة. وهنا تكمن قمة المشكلة في البلد. فالأسماء كثيرة والإعتراضات ستكون أيضاً كثيرة. وكم تمنى لو كان ممكناً تعديل القوانين والسماح لقاضي التحقيق أن يقول كل شيء. وأن يستطيع أن يقدم لأهالي القتلى والمتضررين أجوبة نهائية في 4 آب هذا.

يُنقل عنه انه سيستدعي كل من يرى في إمكانه كشف قطب مخفية في القضية. والأسماء كثيرة. لكن الحصانات تُشكل سدّاً. ولا يمكنه أن يتخطى الحصانة النيابية مثلاً إلا بقرار من المجلس النيابي ضمن دورة إنعقاد المجلس أما بعدها فحديث آخر. الجميع يفترض ان يمثلوا أمامه إذا استدعاهم ووحده رئيس الجمهورية يفترض إذا ارتأى أن يزوره لسؤاله كشاهد. حتى رئيس الحكومة يفترض أن يمثل أمامه إذا استدعاه كمدعى عليه. في كل حال، لا تمرّ أي معلومة أمام قاضي التحقيق ويهملها، بل يعمل على تأكيدها أونفيها بالسير بها. لذا من المفروض ان يستمع الى كل من يرى ضرورة الإستماع إليه. وليس كل من يستدعيه للإستماع له ضلع في الجريمة لكن الإحاطة بالملف كاملاً يقتضي ذلك حتماً. هنا، يُنقل عنه قوله ان المعرفة بوجود النيترات وعدم فعل شيء هو مسوؤلية شخصية.

حين يجلس القاضي على كرسيه يكون ملكاً أما حين يبتعد عنها فهو مجرد “نملة”. هذا ما قاله الى قضاة زاروه. وهو استغرب اليافطات التي ترفع مكتوب عليها “وحدو طارق بياخد بيطارنا” ( بثأرنا) فهو القاضي اللبناني الذي حمل أقسى ملف في تاريخ لبنان وعليه تبيان الحقيقة كاملة. والحقيقة هي التي تأخذ “بالتار”.

تبدلت حياته كثيراً بين قبل واليوم. صحيح أنه لم يتعرض مرة الى تهديد مباشر حتى في أكثر القضايا “الضخمة” التي حكم بها. هنا تتحدث محامية عن إصراره على الجلوس على قوس المحكمة حتى ساعات متقدمة ليلاً من اجل ألّا يبيت “بريء” في السجن. أحد المحامين لامه لأنه أخذ قراراً مشدداً بحق وكيله الذي كان تحت تأثير الكحول فأجابه: لا، هو شرب كأس بيرة واحدة وقتل ضحيته عمداً بسكين مسننة وراح يلبطه بشدة أمام زوجته الملتاعة التي تناديه بالقول: دخلك إرحمه عنده اولاد”. لا يحتمل هذا القاضي التصرفات اللاإنسانية أبداً.

 

ملفات صعبة

لم تكن حياة القاضي طارق بيطار سهلة أبداً في القضاء. لكن، هذا الملف، ملف جريمة المرفأ، هو أكثر صعوبة. هو سبق وحكم في ملفات إرهابية، في جبل محسن والتبانة وقضية حاموش وقضايا خطف. وأصدر أحكاماً بخمس عشرة سنة سجن. أما قضية الطفلة إيلا طنوس فالحكم فيها، الذي اعترض عليه الأطباء بشدة، فهو راضٍ عنه تماماً. وهو لو عاد الى الوراء لأخذه نفسه. فهذه الطفلة تعرضت لخطأ طبي، هو طبعاً غير مقصود، كمن يصدم إنساناً ربما في الشارع عن غير قصد، لكن الطفلة تستحق تعويضاً عما أصابها. وهو تعويض محق صدر على مستشفيين وطبيبين. لكن مشكلتنا في لبنان أن الطبيب هنا يرفض أن يدفع الى التأمين أكثر من مئة دولار عن الخطأ الطبي في حين يُدفع في الخارج 10 آلاف دولار للتعويض عن أي خطأ مماثل. لفلفة هذه القضية، وأي قضية، محال أمامه. وهو استند الى حكمه على شهادات ثمانية أطباء. وهو لم يُفكر حين أصدر حكمه إلا بإيلّا التي ستعيش طوال العمر حياة ولا أصعب.

صعبٌ على قاض يريد أن يحكم بالعدالة أن ينام. هو كان ينام باكراً، عند التاسعة والنصف مساء ويستيقظ نحو الرابعة والنصف فجراً، لكنه اليوم يكاد لا ينام.

القاضي طارق بيطار الذي رفض إستلام ملف جريمة المرفأ في البدايات، عاد وقبل به بعد تنحي القاضي صوان، ينظر في عيون كل من يقول له: هل تتوقع أن يتركوك تحكم في هذا الملف؟ هو يجيب: من كان الله معه لا يخاف من أحد.

ليس نادماً على استلامه الملف اليوم. وهو لن يتنحى عنه إلا إذا طلبت منه الدولة اللبنانية ذلك. فحق ألكسندرا والياس وإسحق و206 ضحايا أمانة لديه. وهو يقول أمام زواره “رح أعمل الماكسيموم وأشك أن قاضياً أجنبياً سيقوم بما يقوم به قاض لبناني”.

الأخبار

١-الكارثة خلّفت أكثر من ٨٠٠ معوّق… جرحى الإنفجار حكّم نفسك بنفسك!

على مدى سنة، تُرك جرحى انفجار مرفأ بيروت يواجهون مصيرهم بأنفسهم بعدما حُرموا من أي تعويضات رسمية، ومن العناية الطبية المجانية الشاملة. كثر اضطروا إلى تسديد تكاليف متابعة علاجهم، من مراجعات للأطباء وفحوصات مخبرية وصور شعاعية وجلسات علاج فيزيائي، على نفقتهم. هكذا ألحقت «الدولة» 800 معوّق جراء التفجير على الأقل بالـ 15% من سكان لبنان المعوقين الذين يعانون الإقصاء والتمييز.

لدى وقوع الانفجار، دعت وزارة الصحة جميع المستشفيات إلى استقبال المصابين على نفقتها. لكن، بعد خروجهم، لم تلتفت الوزارة ولا الجهات الضامنة إلى من احتاجوا إلى متابعات طبية. في 4 أيلول 2020، أصدر وزير الصحة حمد حسن تعميماً بتكفل وزارة الصحة بـ «علاجات الجرحى الذين يتوجب متابعتهم بعد فترة زمنية نتيجة إصابتهم بالتفجير وتستلزم حالتهم إجراءت طبية متلاحقة أو فحوصات مخبرية وشعاعية». لكنّ المستشفيات ظلت تطالب هؤلاء بالمستحقات، بحجة أن تكاليف الفحوصات والصور وغيرها بحاجة إلى قانون يشرح ما تغطّيه الوزارة. أما من كانت حالتهم توجب الخضوع لعملية جراحية ثانية، فمنهم من سدّد فرق الضمان أو الوزارة من جيبه الخاص، ومنهم من لا يزال ينتظر تأمين تكاليف العملية، ما أدى إلى «حرمان أكثر من 20 جريحاً من الخضوع لعمليات يحتاجون إليها، ولا يزالون ينتظرون حتى اليوم لعجزهم عن تأمين فرق الضمان أو الوزارة، وتكاليف الفحوصات والأدوية، ونفقات المستشفى»، وفق رئيسة «الاتحاد اللبناني للأشخاص المعوّقين حركياً» سيلفانا لقيس.

جنان بظاظا أجريت لها «عملية خاطئة» يوم التفجير، احتاجت معها إلى جراحة ثانية كلّفتها 13 مليون ليرة فرق الضمان. «راجعنا الضمان فأُبلغنا بأن قرار مجانية علاج الجرحى سرى مفعوله لشهرين فقط بعد التفجير. عرضنا حالة جنان على وزير الصحة فكان رده بأن الوزارة لا تغطي كلفة العملية ما دامت جنان مضمونة»، بحسب الناطق الرسمي باسم أهالي ضحايا التفجير إبراهيم حطيط.

 

حال جنان كحال عباس مظلوم (35 عاماً) الذي يعاني من شلل سفلي جراء إصابته بالتفجير فيما كان في عمله رئيساً للطباخين في أحد المطاعم في محلة مونو. تكفلت وزارة الصحة بتغطية علاج مظلوم لدى دخوله المستشفى في المرة الأولى. لكنه اضطرّ للعودة إلى المستشفى مجدداً نتيجة الالتهابات التي «تفشّت» في جسمه. وبعدما تخلّت الجهات الرسمية عنه، جمع مظلوم من الأقارب والمعارف خمسة ملايين ليرة، لم يردّ الضمان منها إلا مليونين بعد شهرين. الآن، «يأكل الالتهاب جسدي من جديد ولا أعرف متى أضطر لدخول المستشفى مجدداً». لمظلوم خمسة أولاد، أكبرهم لم يتعدّ الثامنة، ينظر إليهم بقلق متسائلاً: «ماذا لو توقف صاحب العمل عن دفع راتبي الشهري الذي لا يزال يدفعه لي رغم إعاقتي وتوقفي عن مزاولة مهنتي؟».

تلفت اللقيس الى أن «هناك 800 شخص، على الأقل، أُصيبوا بإعاقات جديدة أو تطورت لديهم بسبب التفجير إعاقة كانت موجودة سابقاً»، مشيرة إلى أن «الدولة تحاول إلحاق الـ800 معوق بالـ15% من سكان لبنان المعوقين الذين يعانون الإقصاء والتمييز»، وذلك من خلال إصدار القانون 196 بتاريخ 3 كانون الأول 2020 «المجحف» بحق جرحى التفجير. إذ ساوى ضحايا التفجير بشهداء الجيش اللبناني لكنه لم يساوِ جرحى التفجير بجرحى الجيش، بحجة أن هؤلاء سيستفيدون من مفعول القانون 2000\220 للأشخاص المعوقين، علماً أن هذا القانون «لا يشمل حقوق الجرحى بالكامل ولا سيما حقهم في التعويضات وتخصيص راتب شهري لمن فقد مصدر رزقه بسبب إعاقته». ويلفت حطيط إلى أن القانون 196 جاء «ممسوخاً» و«على غير ما وعدنا به» لأنه «ظلم جرحى التفجير الذين لم ينتزعوا غير الحق في الطبابة».

إلى ذلك، ألزمت وزارة الصحة الجرحى على التوجه إلى المستشفيات نفسها التي نُقلوا إليها بعيد التفجير لمتابعة علاجهم، لأنها لم تعمّم أسماءهم على المستشفيات، ولم تلحظ صعوبة وصولهم إلى مراكز العلاج البعيدة عن مكان سكنهم وتكاليف النقل التي تكبّدوها. كذلك لم تلتفت إلى عبء العلاج النفسي الذي يتحمّله الجرحى، وإلى كمّ العاهات والتشوهات التي مني بها عدد منهم يوم الكارثة، عندما كان همّ الأطقم الطبية إسعاف آلاف الجرحى فقط بينما كانت المعايير التجميلية في أسفل سلم الأولويات. رغم ذلك، لم تكلّف «الدولة» خاطرها لاقتراح قانون يجيز للوزارة تغطية هذه النفقات غير المدرجة في جدول تصنيفاتها.

٢-رئيس “العسكريّة” في سجن رومية : لا تنتظروا العفو

20 موقوفاً جلسوا داخل قاعة محكمة سجن رومية، متباعدين أحدهم عن الآخر، بانتظار «الفرج». اليدان مقيّدتان «بالكلبشة» والفم مغطى بالكمامة الطبيّة. سمع هؤلاء أصوات السيارات التي تركن في الباحة وخرج آمر سرية السجون العميد ماجد الأيوبي لاستقبال «الضيوف». هي المرّة الأولى التي تطأ فيها قدما رئيس محكمة عسكريّة أرضَ محكمة رومية. ولذلك، كانت «السعادة» بادية على وجوه «أصحاب الأرض».

سريعاً، جلس العميد منير شحادة ومعه 3 ضباط من هيئة «العسكرية» على قوس المحكمة للاستماع إلى معاناة الموقوفين وأسباب امتناع بعضهم عن حضور جلساتهم. أعادها شحادة أكثر من مرة: «ستنالون الشفقة والرحمة لأننا نؤمن بأن البعض قد غُرر به، وليس كلّ من يُخطئ يجب أن تُنهى حياته. ولكن ساعدونا على انعقاد الجلسات لتسريع المحاكمات بغية تخفيف الاكتظاظ من السجون». وبطريقة حازمة قالها رئيس المحكمة: «لا تمنّوا أنفسكم بالعفو العام».

أنهى شحادة حديثه ليأتي دور الموقوفين. كلّ واحد منهم كان لديه شكوى، منها ما يتعلّق بسير المحاكمات، ومنها بما لا يتعلّق بصلاحيات رئيس «العسكريّة». أبرز المتحدثين كانا خالد حبلص وعمر الأطرش. بعد أعوامٍ قضاها الرجلان داخل رومية، تغيّرت ملامحهما. عمر الذي كان شاباً فتياً صار اليوم أكبر. هو الذي حمل رسائل موقوفين آخرين وسلّمها إلى شحادة. وكذلك الأمر بالنسبة إلى حبلص الذي بدت عليه ملامح التقدّم بالسن، وخصوصاً أنّه اكتسب وزناً بعد توقفه عن ممارسة الرياضة داخل زنزانته.

بدا حبلص موضوعياً. بالنسبة إليه، إن الرؤوس الكبيرة من السياسيين ورجال الدين الذين حرّضوا الشبّان ما زالوا في الخارج، مذكراً بما حصل في عكار حينما دعا البعض إلى خروج الجيش منها إثر مقتل الشيخ أحمد عبد الواحد، متسائلاً: «أليس ذلك خطأ؟».

لم يذكر إمام مسجد بحنين سابقاً كلّ وقائع مسيرته التي انتهت بمعارك عسكريّة، تماماً كما لم يأتِ على ذكر فتح أبواب بلدته أمام «صديقه» أحمد الأسير، بل اكتفى الرجل بالمظلومية. بصوت مرتفع، قال إمام مسجد بحنين سابقاً: «نحن تحوّلنا إلى سلع داخل السجن الذي نحتاج فيه إلى الكثير. ولذلك سيخرج منه الكثيرون وهم يحقدون على الدولة بسبب الأحكام الجاهزة والظلم الناتج من الافتراءات في التحقيقات الأوليّة».

لم يكن حديث حبلص عن أمور تعنيه شخصياً، بل كان يتصرّف كـ«أمير» معني بشؤون رعيته ويستطيع التحدّث بلسانهم. وقال: «نحن لا نريد أن نعتدي على أحد، لكن لا نريد في الوقت عينه الاعتداء علينا». وأضاف: «يجب أن يكون العدل للجميع، أعطوا فرصة لبعض الذين أخطأوا. لا تظلمونا، ونحن لسنا ضد المؤسسة العسكرية»، مشيراً إلى وجود «استنسابية في الأحكام، إذ إن البعض يُحكم بالجرم نفسه بأحكام مختلفة، فيما عدد من المدّعى عليهم مثلاً يُحاكمون بالحكم نفسه لإطلاق رصاصة واحدة، فكيف يُمكن أن يُطلق 50 شخصاً رصاصة واحدة؟».

سكت شحادة قليلاً عندما انتهى حبلص من كلامه، قبل أن يقول له إن بعض حديثه «فيه منطق»، ولفت إلى أنّ المحكمة وضعت معايير محددة للأحكام ولطلبات إخلاء السبيل.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى