شويّا تربط لبنان بسوريا… وبعبدا جاهلة أو متآمرة؟

كتب خيرالله خيرالله في موقع أساس ميديا:

بين أخطر ما يحدث في لبنان حالياً، إضافة بالطبع إلى استمرار الانهيار الشامل على كلّ المستويات، ذلك الجهل على مستوى رئاسة الجمهوريّة بما يدور في المنطقة، خصوصاً في الجوار السوري. هذا الجهل بما يدور في المنطقة ليس خاصّةً من خصائص رئيس الجمهورية الحالي ميشال عون. يمكن العودة إلى عهد سليمان فرنجيّة الجدّ الذي بدأ في عام 1970، وهو عهد افتقر إلى مَن يدرك معنى التغيير الكبير الذي حصل في تلك السنة المفصليّة. في 1970، توفّي جمال عبد الناصر، وفي سوريا استحوذ حافظ الأسد على كلّ السلطة في الوقت الذي كان الأردن يتخلّص من عناصر تابعة للفصائل الفلسطينية المسلّحة هدّدت وجوده. تولّى حافظ الأسد، مذ كان وزيراً للدفاع، مهمّة نقل هذه العناصر مباشرة إلى لبنان. لم يكن مسموحاً وقتذاك للمقاتل الفلسطيني تمضية ولو ليلة واحدة في الأراضي السورية. كانت هناك شاحنات سورية تتولّى مهمّة إيصال المقاتل الفلسطيني مع سلاحه مباشرة من الأردن إلى لبنان.

ما يحدث في جنوب سوريا تطوُّر في غاية الأهمّيّة على الصعيد الإقليمي. هناك رفض شعبي للرضوخ للإيراني يشبه إلى حدّ كبير رفض أهالي شويّا تحوّل بلدتهم إلى منصّة تُطلَق منها الصواريخ في اتجاه إسرائيل

لم يكن في عام 1970 في قصر بعبدا مَن يستوعب معنى ما يدور في المنطقة وانعكاساته على لبنان. هذه هي الحال اليوم، في سنة 2021. لا وجود لِمَن يحاول فهم ما يدور في المنطقة، وفي سوريا بالذات، حيث معركة كبيرة تتجاوز لبنان، لكنّها تهمّه بشكل مباشر. إنّها معركة إخراج الإيراني وميليشياته، من بينها “حزب الله”، من الجنوب السوري. لن تستطيع الفرقة الرابعة، وهي فرقة سوريّة تابعة للنظام تضمّ عناصر من الميليشيات الإيرانية، دخول درعا البلد لسببين على الأقلّ. الأوّل منع إسرائيل النظام السوري من استخدام سلاح الجوّ الذي يلقي براميل متفجّرة على السوريين، والآخر الموقف الروسي. تسعى روسيا، بالتفاهم مع إسرائيل، إلى جعل الجنوب السوري، حيث الوجود السنّيّ والدرزي، منطقة آمنة، بدل أن تكون جيباً إيرانياً أو منصّة صواريخ… أو قاعدة للترويج للغرائز المذهبيّة التي تبقى السلاح الأهمّ لدى “الجمهوريّة الإسلاميّة” في سياق إحداث التغيير الديموغرافي في سوريا وتكريسه.

ما يحدث في جنوب سوريا تطوُّر في غاية الأهمّيّة على الصعيد الإقليمي. هناك رفض شعبي للرضوخ للإيراني يشبه إلى حدّ كبير رفض أهالي شويّا تحوّل بلدتهم إلى منصّة تُطلَق منها الصواريخ في اتجاه إسرائيل. يعرف هؤلاء المواطنون الطيّبون المتمسّكون بأرضهم معنى أن تكون شويّا تحت رحمة “حزب الله”، والنتائج المترتّبة على ذلك. مرّوا في تجارب كثيرة في الماضي القريب في أثناء الوجود الفلسطيني المسلّح عندما تخلّت عنهم الدولة اللبنانية. إنّهم يعبّرون عن ضمير الأكثريّة في لبنان، وعن الحاجة إلى العودة إلى المنطق البسيط الذي يختزله سؤالٌ من نوع: هل يمكن تحرير فلسطين انطلاقاً من جنوب لبنان؟ أوليست الصواريخ والراجمات سوى الطريق الأقصر لجلب مزيد من الخراب على كلّ أهل الجنوب، أكانوا شيعةً أو سنّةً أو دروزاً أو مسيحيّين؟

لا وجود لِمَن يحاول فهم ما يدور في المنطقة، وفي سوريا بالذات، حيث معركة كبيرة تتجاوز لبنان، لكنّها تهمّه بشكل مباشر. إنّها معركة إخراج الإيراني وميليشياته، من بينها “حزب الله”، من الجنوب السوري

ليس ما شهدته شويّا سوى امتداد لِما يشهده الجنوب السوري. المنطقة الممتدّة من الجنوب السوري إلى حاصبيا والعرقوب منطقة واحدة، واللعبة فيها لعبة واحدة، وهي كبيرة جدّاً، ولا علم لرئيس الجمهوريّة اللبنانية بها. لم يكتفِ ميشال عون بتفادي اتخاذ موقف من الصواريخ التي أطلقها “حزب الله” في اتجاه إسرائيل، متجاهلاً أنّ ذلك خرق للقرار 1701 الصادر عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة صيف عام 2006. لم يسأل نفسه أيّ مصلحة للبنان في خرق القرار الأممي؟

ذهب “العهد القويّ”، الذي يُثبت أكثر كلّ يوم أنّه “عهد حزب الله”، إلى أبعد من ذلك. تجاهل موازين القوى الإقليميّة والدوليّة التي تعني بين ما تعنيه أنّ لبنان في غنى عن مواجهة عسكريّة من أيّ نوع مع إسرائيل. لعلّ أهمّ دليل على ذلك ما يشهده الجنوب السوري والمعارك الدائرة في درعا، وهي معارك ستكون لها من دون شكّ انعكاسات على الصعيد الإقليمي، وليس في الداخل السوري فقط، ليس هو فقط بل قوى سيادية تتصرّف عن جهل أو عن حسابات خاطئة إلى تفاصيلها الداخلية وأكثرها طائفي

لا معنى لأن يكون رئيسٌ للجمهوريّة اللبنانيّة عاجزٌ عن أخذ المبادرة ومواجهة اللبنانيين، جميع اللبنانيين، ومن بينهم “حزب الله”، بلغة المنطق. تقول لغة المنطق إنّ جنوب لبنان منطقة فيها تنوّع، وليست مستعمرة إيرانيّة، وإنّ جنوب سوريا، السنّيّ – الدرزيّ عموماً، يرفض الوجود الإيراني، وأن يكون ورقة في جيب “الجمهوريّة الإسلاميّة” الساعية إلى صفقة مع “الشيطان الأكبر” الأميركي.

تعني لغة المنطق، أوّل ما تعنيه أيضاً، أنّ لبنان سيدفع ثمناً غالياً في حال لم يقتنع بأن لا مصلحة لديه في أن يكون ورقة إيرانيّة.

لا معنى لرئيس للجمهوريّة لا يقول بالفم الملآن إنّ لبنان كلّه شويّا، البلدة الدرزية في قضاء حاصبيا التي تصدّت لـ”حزب الله” وراجمة صواريخه، ورفضت أخذ البلد إلى نهايته لأسباب لا علاقة له بها. لا معنى لرئيس للجمهورية لا يتّخذ موقفاً واضحاً داعماً للبطريرك الماروني بشارة الراعي الذي دعا إلى التزام اتفاق الهدنة مع إسرائيل لعام 1949. لم يستعِن البطريرك الراعي إلا بلغة المنطق، وهي لغة مرتبطة بمصلحة لبنان، الذي لم يخسر أرضاً في حرب 1967، لأنّه أدرك أنّ مصلحته تقضي بتفادي دخول مغامرة ذات نتائج معروفة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى