لبنان المنتصر وإسرائيل المهزومة

كتب نديم قطيش:

لنعكس السؤال تماماً. لا طائل من الدخول في تعريفات عاقلة للهزيمة والانتصار. والانتصار هو الادّعاء الأكثر مركزيّة بين ادّعاءات حزب الله، حيث بات يقارب الهويّة الحزبية والطائفية ومرادف الوجود. لا يقبل حزب الله الجدال بشأن “انتصاراته”. يصير أكثر عناداً في التمسّك بها إذا ما تحدّثنا عن إسرائيل.

لأجل ذلك دعونا نعكس السؤال. تعالوا لا نحاجج الحزب في ما إذا انتصر على إسرائيل أو أنّ إسرائيل هزمته وهزمتنا معه. تعالوا نسأله، كيف انتكس وانتكسنا معه من قمّة النصر إلى جهنّم الهزيمة، وكيف صعدت إسرائيل من قعر هزيمتها للتربّع على عرش انتصارات كثيرة.

كيف، بعد 15 سنة، تجاوزت إسرائيل “هزيمتها”، وبدّدنا نحن “انتصارنا”؟

إسرائيل، التي هُزِمت” شرّ هزيمة قبل 15 عاماً، كما تفيد سرديّة حزب الله المجيدة، فيبدو أنّها أحسنت استخلاص العبر ووظّفت الدروس المستفادة لتصنع لنفسها درب جلجلة صعدته من قعر الجحيم إلى حيث هي اليوم

في لبنان، مستشفى الشرق الأوسط سابقاً، قدّرت منظمة الصحة العالمية في أيلول أنّ ما يقرب من 40% من أطبّاء لبنان و30% من الممرّضات غادروا منذ تشرين الأول 2019، في حين أنّ غالبيّتهنّ غادرن، هذا العام، وفقاً لنقابة التمريض.

وتتهيّأ الجامعة الأميركية في بيروت، التي كانت إلى جانب الجامعة اليسوعية صاحبة دور مركزيّ في ولادة لبنان، لافتتاح مجمّعها الجامعي في الإمارات العربية المتحدة. غنيٌّ عن القول إنّ هذا لا يحدث في سياق توسّع عمل الجامعة، ولا يندرج في سياق “اللامركزية الأكاديميّة” التي تترسّخ اتّجاهاً تعليميّاً في العالم، بل هي “هجرة” بالمعنى الفعليّ والمباشر للكلمة.

يترافق خبر “هجرة” الجامعة الأميركية مع تقارير فاضحة عن بيع عشرات آلاف الشهادات الجامعية اللبنانية، عبر 3 جامعات خاصّة لبنانيّة، لـ”السوق” العراقي!!

سيجد المتابع أرقاماً مماثلة أو أكثر هولاً في القطاعات الأخرى، مثل الصناعة التي كانت حتى الأمس القريب واحدة من القنوات الأخيرة لرفد السوق اللبناني بالعملات الصعبة، ولرفد الأسواق المحليّة ببضاعة تمتلك مواصفات الجودة وتناسب القوّة الشرائيّة المتآكلة للّبنانيّين.

بالطبع لا يحتاج اللبناني، للتيقّن من سوء عاقبته، إلى كلام المقرّر الخاصّ للأمم المتحدة المعنيّ بالفقر المدقع وحقوق الإنسان أوليفييه دي شوتر، الذي قال في مقابلة مع وكالة “رويترز”، في ختام مهمّة استمرّت أسبوعين لدراسة الفقر في لبنان: “أنا مندهش جدّاً من حقيقة أنّ هذه دولة في طريقها إلى الفشل، إن لم تكن قد فشلت بالفعل، واحتياجات السكّان لم تتمّ تلبيتها بعد”.

الأهمّ أنّ المسؤول الأمميّ وصف المسؤولين الحكوميّين بأنّهم “يعيشون في عالم خياليّ”، ولا أعلم إن كان يضمّ إلى هذا العالم الخياليّ عوالم الانتصارات المجيدة التي لا يكفّ حزب الله عن اجترارها، وعن دعوة اللبنانيّين إلى التفاعل معها بأعلى درجات العزّة والكرامة.

كلّ هذا من علامات “الانتصار” الذي ضاع، ولم يُحسن أحد توظيفه والمراكمة عليه، لو أخذنا “المنتصرين” “على قد عقلن”.

أمّا إسرائيل، التي “هُزِمت” شرّ هزيمة قبل 15 عاماً، كما تفيد سرديّة حزب الله المجيدة، فيبدو أنّها أحسنت استخلاص العبر ووظّفت الدروس المستفادة لتصنع لنفسها درب جلجلة صعدته من قعر الجحيم إلى حيث هي اليوم.

فإسرائيل تستحوذ على نحو حوالي 8% من الـ”unicorns” في العالم، أي شركات الابتكار التقنيّ المملوكة لأفراد، وتتجاوز القيمة السوقيّة للواحدة منها مليار دولار، علماً بأنّ الإسرائيليين يمثّلون 0.1% من تعداد السكان في العالم، الأمر الذي يعني أنّ وزنها الابتكاريّ يفوق وزنها الديموغرافيّ بمئة مرّة تقريباً.

ولدى مراجعة عدد من التقارير الإسرائيلية، يتّضح أنّ صناعة التكنولوجيا في إسرائيل شكّلت في نهاية عام 2020 أكثر من 50% من صادرات البلاد، وهو ما سهّل عليها التأقلم مع التداعيات الاقتصادية لجائحة كورونا، إذ إنّ قطاع التكنولوجيا، خلافاً للقطاعات الاقتصادية التقليدية، شهد موجات ازدهار حصّنت الاقتصاد الإسرائيلي، وكلّ الاقتصادات المنخرطة في الثورة الصناعية الرابعة، وأسندته بملاءة ماليّة استراتيجيّة لتجاوز الأثر الاقتصادي للجائحة.

في سياق هذه الأمثلة المختصرة، التي يمكن العثور على مئات من مثيلاتها، في حقول العلم والطباعة والنشر والأفكار والتطوير والجامعات والطبّ.. إلخ، شكّل “إكسبو دبي” نافذة على العوالم والسماوات التي تفصل بين “لبنان المنتصر” و”إسرائيل المهزومة”.

الجناح اللبناني، الذي تبرّعت دولة الإمارات بتكاليف تجهيزه، يقدّم خليطاً من كليشيهات السياحة اللبنانية التي تبدو مأخوذة من ذاكرة تلفزيون لبنان، ونماذج عشوائية من “المنتجات” اللبنانية التي تتوزّع على الأزياء والأشغال اليدويّة وبعض النبيذ ولوحات تشكيلية مبعثرة تشكّل إهانةً لتاريخ الفنّ اللبناني الحديث والمعاصر وثرائه ومساهمته غير البسيطة في المشهد التشكيليّ الإقليمي والعالمي.

في مقابل ذلك، فإنّ الجناح الإسرائيليّ يقدّم نفسه امتداداً للسرديّة الإسرائيليّة البادئة منذ 20 عاماً، مع بزوغ الألفيّة، والتي تروِّج لإسرائيل “كأمّة الشركات الناشئة” (startup nation). هنا ستعثر على آخر الابتكارات التقنيّة في مجالات الريّ، والمياه، والطاقة المتجدّدة، وتكنولوجيا الخدمات الماليّة (fintech)، وصناعة الأدوية، والأمن السيبرانيّ، والذكاء الصناعي، والسياحة، والاقتصاد الاجتماعي المستدام. لا حاجة إلى التعريج على الفعّاليّات المرافقة من ندوات وحوارات وعروضات يستضيفها الجناح الإسرائيليّ.

هاتان صورتان كافيتان لتعريف النصر والهزيمة. لبنان “المنتصر” الذي لا يملك ما يقدّمه إلا ماضيه الرومانيّ، وإسرائيل “المهزومة” التي تؤكّد موقعها الرياديّ في صناعة المستقبل، لا لدولتها وحسب، بل وبصفتها شريكاً عالميّاً في كلّ ما له علاقة بالغد.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى