قديسة أنت!

كتبت: كفا عبد الصمد

هن لسن ناقصات عقل ودين، ولم يولدن من ضلع الرجل، ويمكنهن التحليق بعيدا عن جناحيه.. إنها مخلوقات جبار، لا تتعب ولا تأن ولا تأبه لأي متغيير جديد، وإن علت أصوتهن أحيانا، مهرب يلجأن إليه للتخفيف من وطأة الأثقال التي يحملنها يوميا.

بعد أن أشيع خبر، قيام الجمعيات بتخصيص يوم طبي، تجرى خلاله فحوصات مجانية في إحدى القرى، ومن بينها فحص سرطان الثدي، حتى أتى الناس من كل حدب وصوب، تزاحموا وتدافعوا لتسجيل اسمائهم، أحدهم  يريد معرفة معدل السكري في الدم، والآخر يسأل عن مشكلة في أعصاب يديه، وأخرى تأتي متأبطة ذراع ابنتها نتيجة الدوران الذي تسببه التهابات الأذن الوسطى.. كل يبحث عن استشارة طبية مجانية وما أروعها لو أرفقت بعلاج.. وسط هذه الصورة الملتبسة من مرضى ومدعي المرض، يقف الجناح المخصص للفحص المبكر عن سرطان الثدي، هادئا، وحيدا، تملؤه النسوة، لكن لا صوت فيه.. جميعهن حضرن تحت تهديد الزوج أو الإبن أو الأخت أو الجارة، قليل عدد النساء اللواتي اخترن القيام بهذا الفحص بكل استعداد نفسي ودون خوف..

تجمعن حول بعضهن البعض، أصواتهن تكاد تلامس الآذان، كل واحدة تروي مخاوفها للأخرى، وتتحدث كيف أرغمها زوجها على الحضور وإجراء الفحص، أما صديقتها تنظر في عيني إبنها الذي يراقبها من البعيد وتقول: لو ما اصرار ابني وغلاوتو ما كنت جيت… ثم تخرج “المستقوية” عن صمتها، وتحاول أن تكسر خوف تلك اللحظات التي يعشنها، فتقول والإبتسامة تحاول أن ترتسم على وجهها، لا داعي للخوف، الحضور والمشاركة في هذه الحملة أمر مهم وأساسي، من أجل صحتنا… وفجأة يسكتها صوت إمرأة مسنة تخفي خوفها بالإيمان: “يا بنتي العمر واحد والرب واحد، قولوا الله”..

أصعب اللحظات في هذا اليوم العصيب، يرتسم على وجه المرأة التي يَطلب إليها الدخول إلى غرفة الطبيب، بعد أن أقلقه ضباب رآه في الصورة ويريد إعادتها.. يصمت الجميع، “المستقوية” تغمس نظرها في الأرض، والعجوز تمتم شفاهها صلاة، والأخريات يترقبن بخوف ماذا سيقول لها الطيب.. وكل واحدة منهن تفكر ماذا لو وضعت هي في هكذا موقف، كانت لتتصرف؟.. لن تفيد في مثل هذه اللحظة كل التقارير والأخبار التي تتحدث عن مدى تطور العلاجات وارتفاع نسبة الناجيات من سرطان الثدي. في هذه اللحظة تشعر بأنك حجزت بطاقة النهائي دون أن تعرف التوقيت.. وأصبحت مرشحا علنيا للموت.

يجب على المرأة أن تقوم بهذا الفحص وغيره من الفحوصات بشكل مستمر، وكل سنة مرة على الأقل، فتخيلوا الضغوطات التي تعيشها خلال حياتها، هذا فضلا عن متطلبات الحياة الأخرى، العائلة، الأولاد، الزوج، حياتها الخاصة، عملها، هواياتها.. إضافة إلى كونها مطالبة بالحفاظ على جمالها وشياكتها، ومنع ملامح الشيخوخة عبور وجهها، والإحتفاظ بوزن مثالي، وقوام ممشوق، كي لا يؤذي نفسيتها كلام جارح، من جار لئيم أو حمى غيورة.. يا إلهي كم هو كبير حملك أيتها المرأة، تلعبين على كل الجبهات وانت عرضة دائما للإنتقاد، الفشل ممنوع عليك، والخوف محرم، وحدها القوة تمكنك من تحقيق المستحيل.. قديسة أنت!

قديسة أنت لأنك تحملين أعباء العالم على كتفيك، ممنوع عليك الخوف أو الإستسلام، أنت شريان الحياة في كل أسرة،  وكل مجتمع، وحتى تكتمل الصورة بشكلها الصحيح يجب أن تتنبهي لكافة التفاصيل المحيطة بغيرك قبل التنبه لتفاصيلك الصغيرة التي قد تكون مدمرة أحيانا خاصة على الصعيد النفسي..

قد يعتبر البعض أن مثل هذه اللحظات التي تختبرها المرأة مرة على الأقل كل عام، تزول بمجرد أن يقول الطبيب مبروك، لا يوجد لديك مشكلة.. لكن تراكمات هذه اللحظات تولد انفجارا في مكان ما، فلا تقسو على المرأة.. قوتها في ضعفها، لهذا تحتاج إلى سند يقف جنبها، ويشاركها الحياة..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى