وطن الجنون … الجنون فنون في وطني!

كتب أبي خليل الحاج في النهار:

مجنونٌ في وطنٍ عاقل أم عاقلٌ في وطنِ الجنون؟!

مَن العاقلُ ومَن المجنون؟ إلى أين يقودُ العقل وإلى أين يقودُ الجنون؟

العاقلُ ذو حكمةٍ ورؤيةٍ وتمييز ودِراية. وهو قادرٌ على تنفيذِ الخُطَطِ والتحكُّم بالأمور وتَسييرِها باتّجاه الحلول الصحيحة والبنّاءة. والمجنونُ فاقِدُ العقل والمنهجيّة الواضحة الذي ينقلب معه كلّ منطق فيفقد السّيطرة على الأمور ويسيرُ بها نحو التعقيد بشتّى الاتّجاهات الخاطئة والمدمّرة.

 

فالعاقل إذاً يقود نحو الحلّ والمجنون نحو التأزُّم. وهذا تماماً ما يمكن أن نلاحظه في الوضع الحاليّ.

ننظر من حولنا فنجد أنّنا غارقون بالمشاكل ومحاطون بالجنون ومحتاجون للحلول ومفتقِرون للعقلاء.

في عصرنا نستيقظ كلّ يوم على واقع مجنون. بطشٌ لتحقيق طموحٍ طامِع يحقّق الموت والدّمار والعذاب والتهجير ويترجمُ خيبةَ الحروبِ هيبةً وإقصاءَ الضميرِ قضيّة. ما يقدِرُ العقلُ على حلّه بالفكر والحِكمة يفرضُه العنف بِلغةٍ مجنونة لا تعرفُ الرحمة. العالم كلّه يعاني من هَبّات الجنون.

في وطني الجنون فعّال وذو سلطة وهو يضرب بيد من حديد. يفتك في العقول، يزرع التناقضات، يُحدِث الخلل فيضرب الفكر والقول والسّلوك.

حبّ السّلطة وجنون العظمة

السّلطة هي عقلُ الدولة المدبِّر وهي متى تخلّت عن التدبير وصَوْن الوطن تاركةً الشعب في مهبّ الرّيح، تصبح جنوناً مُتَحَكِّماً. قد يحصل هذا عندما تكون السّلطة بيد من تنقصهم الكفاءة وروح القيادة أو عندما تكون مثلاً بِيد نرجسيين يرسمون لأنفسهم شخصيات بطولية خارقة تنفصل عن الواقع وتؤلّه نفسها لدرجة أنها تظنّ أنّها تملك الحقيقة وتعرف الحقّ المطلَق بحيثُ يصبح كلُّ مَن يعارضها متآمراً ومِن الواجب إبعادُه بشتّى الوسائل. طبعاً الشّعور بالعظمة المفرطة داء وجنونُ العظَمة مرضٌ قد لا يعيه صاحبه لكنّه بالتأكيد يؤدّي إلى التأزُّم وإلى خَلَلٍ يهدّد حياة النّاس في كلّ أبعادها، في الأمن والغذاء والبيئة والاقتصاد والتربية والصحّة ألخ… إنّ هكذا سلطة تسعى دائماً للإنقاذ ولكنّها بالغالب تسعى لإنقاذ نفسها. أمّا في ما يخصّ معاناة الناس فهي تبقى “راوح مكانك”، تتخبّط بخُطط من هنا وتصاريح من هناك تبحث عن حلول “à la carte” وبالحدّ الأدنى لذلك فإنّ دوّامة الجنون تستمرّ بالدّوران وكذلك الفتك بحياة المواطن.

أللهمّ نجّنا من جنون العظمة ومن عواقبِ عظمةِ الجنون.

حبّ المال حتّى الجنون

ومن لا يحبّ أن تتوفّر لديه هذه الوسيلة ليضمن عيشه الكريم؟! ولكن شتّان بين من يعرف أنّ المال وسيلة للعيش الكريم بكرامة وبين من يصبح هو نفسه أداةً بِيَد الطّمع وحبّ المال. فالأوّل يبقى عاقلاً، سيّداً وحرّاً، والآخر يصبح عبداً مجنوناً بِحُبّ المال يعشقه لدرجة العبادة. بالنسبة لهذا الأخيرالغاية تبرّر الوسيلة فلذلك يشرّع لنفسه كلّ الأساليب فهو يعتبر المال محوراً وهدفاً تَسهلُ في سبيله كلّ تضحيّة. ومن يضحّي بنفسه لن يصعب عليه أن يضحّي بغيره أيضاً. إنّه حبٌّ مجنون يقلبُ المقاييس وينسِفُ الفضائل ويستبدلها بالطّمع والجشع فيعمي البصيرة ويشلّ الضمير. فمجنون المال لا يضع نفسه فحسب في دائرة الخطر بل يعرّض غيره للمخاطر التي تهدّد وتُفقِر وقد تلغي وتقتل. وتصبح دائرة الخطر أوسع طبعاً عندما يكون المصاب بجنون المال في موقع مسؤوليّة لأنّه بالتّأكيد سيسخّر كلّ طاقته وجهوده وقدراته ليزيد ثروته بشتّى الأساليب المتاحة حتى لو على حساب الآخرين والوطن.

أللهمّ نجّنا من الجنونِ الجَشِع ومن جَشَعِ الجنون.

الجنون المسيطر يحوّل الأسطورة إلى حطام

إذا اجتمع جنون العظمة وحبّ السّلطة مع حبِّ المال حتّى الجنون، تكون النتيجة كارثيّة وتُفقَد كلّ قدرة على التحكّم بزمام الأمور فيضيع الإنسان وتتوه الإنسانيّة في مجاهل الجنون وترتطم السّفينة وحينها تتحوّل الأسطورة إلى حطام.

عند كتابة هذه الكلمات، إرتجفت يداي وخفق قلبي وتوقّف قلمي عن الكتابة و… ساد صمت عميق!

إرتباكاً؟! حزناً؟! خوفاً؟! أم كلّها مجتمعة؟!

في لحظات الصّمت، أدركتُ أنّ الموجِع ليس الطابع التحليليّ لما كتبته بل هو تطابق الحالة مع واقعنا الأليم الذي يجعل حياتنا مجبولة بالأعباء والمعاناة ويحوّلها إلى واقع يعصفُ به الجنون في كلّ يوم وفي كلّ مسألة وفي كلّ مجال.

آه يا وطني كلُّ ما يحصلُ فيك يؤدّي إلى الجنون وكلّ مَن فيك مصاب بالجنون!

مجنونٌ مَن لم يَعُد يُحَكّم عقله ليميّز ما بين عالم افتراضيّ والواقع الحقيقي.

مجنونٌ مَن يتبع الذي يقوده إلى الهلاك المحتَّم وينصاع لإرادته.

مجنون مَن يفرّط بخيره وحقوقه في سبيل استغلاليّ وصوليّ مهووس.

مجنون من يقدّم حياته قرباناً في سبيل من يتناحرون بجنون في سبيل السلطة أو الثروة.

مجنون مَن يصارع مكرّراً نفس التصرّف وهو يتوقّع نتيجةً مغايِرة.

مجنون مَن يفقد الدفّة الموجِّهة للأفكار والأقوال والسّلوك.

حتّى العاقل الذي لم يضيّع بوصلة الأفكار والأقوال والسّلوك ومتمسّك بالموقف البطولي فهو أيضاً مجنون. إصرارُه جنون. بقاؤه جنون. وطنيّته جنون. حبّه ل#لبنان، رغم كلّ الويلات، جنون. ولكن هنيئاً له بهذا الجنون!

وبين مجنونٍ يظنّ نفسه عاقلاً وعاقلٍ مجنون، يبقى الوطن حائراً ومنتظراً لحظةَ وعيٍ توقظُ الإنسان وتوقِف الجنون.

وطن النّجوم رغم الجنون

لو كان الجنونُ كجنونِ أخوَت شانيه لَكُنّا صدَّقنا بالمجانين العقلاء الذين يحملون حكمةً ذكيّة سهلة، مفيدة وقابلة للتنفيذ. ولو كان “الجنون فنون” بمعنى التنوّع والغنى والإبداع لكنّا صفّقنا لهذا الجنون.

لكن أمام كلّ ما نراه ونسمعه ونعيشه، ووسط الجنون المُستَشري في السّلطة ولدى الشعب وفي المؤسّسات وفي كافّة القضايا والمسائل، يبدو الوضع خارجاً عن السّيطرة.

حتّى البيت الشهير من قصيدة الشاعر إيليّا أبو ماضي “وطن النجوم أنا هنا حدّق أتذكر من أنا”، بات يتردّد في عقولنا “وطن الجنون أنا هنا حدّق لا أذكر من أنا!” عذراً إيليّا أبو ماضي فالجنون يعصف ويخلخل الأُسُس والكيان كأنّه يريد أن يُنسيَنا مَن نكون وما رسالة وطننا. ولكن لا، لن ننسى وسيبقى وطننا “وطن النجوم”.

أمّا أنت يا وطني، فعذراً لأنّنا نقولُ لك وطنَ الجنون بسبب مَن يسكنُ أرضَك دون أن يُسكِنَكَ فكرَهُ وقلبَهُ، لأنّه لو فعل، فأنت قادرٌ أن تردّ له العقل وتحميه من الجنون.

وتبقى الدعوة لكلّ لبنانيّ بأن يعملَ على استرجاعِ صفاءِ ذهنه ونقاءِ ضميرِه مُحَكِّماً عقلَه وموجِّهاً حبَّه للبنان نحو خير لبنان واللبنانيين. فلا خلاصَ لوطننا إلّا بالتحرّر من هذا الجنون العاصِف ولا خلاصَ لوطننا إلّا بالعودة إلى لُغةِ العقل وفاءً لمجدِ الأرز وجلالِه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى