بوتين يخسر… المقامرة المتهوّرة

كتب هشام عليوان في الأساس ميديا:

بينما نحاول تلقّي الأخبار من أوكرانيا، قد يكون من الصعب تحديد ما يجري بالضبط، وإلى أين قد يؤدّي كلّ ذلك. لا نقص في المعلومات، لكنّ الكثير منها يأتي من حسابات وسائل التواصل الاجتماعي، ولا يمكن الوثوق بها كلّها. ولا يمكن لهذه الحسابات بطبيعتها رسم الصورة الكبيرة. حتى في العصر الرقمي، لا ينجلي “ضباب الحرب” تماماً. ومع ذلك، فإنّ ما نعرفه يكفي لبناء بعض الاستنتاجات الأوّليّة . فعلى الرغم من تفوّق القوات الروسية، لكنّها تقدّمت في الميدان أقلّ ممّا كان متوقّعاً في اليوم الأول من الحرب، عندما توافرت لديها مزايا المفاجأة التكتيكية، والأعداد الكبيرة من الجنود. افتقرت الهجمات الأوّليّة إلى الزخم والدافع اللذين كانا متوقّعيْن على نطاق واسع. أظهر الأوكرانيون مقاومة قويّة، وألحقوا خسائر بالغزاة. ومع ذلك، يمكن أن يكون اليوم (25 شباط) أكثر قتامة، وستكون الأيام المقبلة أكثر صعوبة وأكثر إيلاماً. ومع ذلك، لا يزال من المعقول التساؤل عمّا إذا كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد شنّ حرباً لا يمكن الانتصار فيها. على الرغم من أنّ الروس قد ينتصرون في نهاية المطاف في المعركة، إلا أنّ اليوم الأوّل من الحرب أكّد ما كان يبدو دائماً مرجَّحاً، وأنّه بغضّ النظر عن الانتصارات العسكرية اللاحقة، فسيكون صعباً جدّاً على بوتين أن يفوز بها سياسياً.

المقاومة الأوكرانية الواضحة، وتكاليف الحرب لكلا الجانبين، ترفع أيضاً مستوى المخاطر بالنسبة إلى بوتين في الداخل

أحد الأسباب الرئيسية التي تجعل الحروب تجري بشكل سيّء، حتى عندما تُشنّ بثقة، هو الاستهانة بالعدو. نوع التفاؤل المتحيّز الذي يقود إلى التنبّؤ بالنصر المبكر يعتمد على افتراض أنّ العدوّ منحطّ وعديم الذكاء، وعلى استعداد للاستسلام عند أوّل نفحة من الخطر. ساعدتنا تصريحات بوتين المشوّشة في خطاب ألقاه يوم الإثنين (21 شباط) وتصريحاته اللاحقة، إلى جانب تصريحات حاشيته، في فهم ليس فقط منطِقه المفضّل للحرب، لكن أيضاً لماذا يعتقد أنّه قادر على الفوز. إذا كان الأمر كذلك، كما ادّعى بوتين باستمرار، أنّ أوكرانيا ليست دولة، وأنّها اختلاق مصطنع، مع حكومة غير شرعية، ويسيطر عليها النازيّون، فلن يكون مفاجئاً إذا افترض أيضاً أنّ الأوكرانيّين العاديّين لن يقاتلوا ببسالة من أجل هذا الكيان. بل إنّهم قد يستقبلون القوات الروسيّة القادمة بصفتها محرِّرة، كما افترض السفير الروسي لدى الأمم المتّحدة.

وبالاقتران مع الاستهانة بقوّات العدو، يمكن أن يؤدّي هذا إلى المبالغة في تقدير المرء لقوّاته. لقد كان أداء بوتين جيّداً إلى حدّ كبير في حروبه. فاز بالرئاسة عام 2000 باستخدام الحرب الشيشانية الثانية لإظهار صفاته القيادية. وأثخن في جراح جورجيا عام 2008 لتحذيرها من الانضمام إلى الناتو، وومن القضاء على الجيوب الانفصالية التي أنشأتها روسيا هناك. انتزع القرم من أوكرانيا في عام 2014، ونجح أخيراً في دعم بشار الأسد في الحرب الأهليّة السورية. ومع ذلك، فإنّ أحدث مشاريعه العسكرية لم تنطوِ على نشر قوات برّيّة كبيرة. وفي أوكرانيا، كانت العمليات العسكرية، بما في ذلك ضمّ شبه جزيرة القرم، تديرها القوات الخاصة إلى حدّ كبير، إلى جانب الميليشيات التي جنّدها الانفصاليون في دونباس. ولفترة وجيزة فقط، عندما بدا الانفصاليون وكأنّهم قد يتعرّضون للهزيمة في صيف عام 2014، أرسل بوتين قوات روسية نظامية، فهزمت الوحدات الأوكرانية غير المستعدّة، والتي كانت غير محترفة بعد. أما في سوريا، فاستعمل الروس القوّة الجوّية لا المشاة.

الضعف البرّي الروسي

لذلك، فإنّ خبرة القوات الروسية في العمليّات البرّية الواسعة النطاق محدودة. وعندما يقترن هذا بالغطرسة بالنظر إلى محدوديّة قدرات العدو المحتمل، يكون هذا قد أسهم في البداية المتعثّرة لهذه الحملة. وأهمّ مثال على ذلك، معركة هوستوميل، وهو مطار قريب من كييف، الذي حاول الروس الاستيلاء عليه بقوات محمولة بالطوّافات. لو استولى الروس على هذا المطار بسرعة، لكان بمقدورهم إنزال القوات التي يمكن لها أن تتحرّك بسرعة إلى كييف. لكن كانت هذه مقامرة لأنّها من دون دعم، إذ كان الروس مكشوفين. فأسقط الأوكرانيون عدداً من الطوّافات. ثمّ في معركة شرسة تغلّبوا على القوات الروسية. من الملاحظ أنّه بعد شهور من التخطيط لهذه العملية، التي كُتبت فيها كلّ خطوة بعناية، قرّر المخطّطون محاولة شيء شديد الخطورة في اليوم الأوّل.

قد لا تكون هذه سوى استراحة مؤقّتة لكييف. وتؤكّد التقارير التي وردت صباح 25 شباط عن ضربات صاروخية وحتى مناوشات داخل كييف بوصفها الهدف الروسي الأهمّ. لذلك سيكون من غير الحكمة الاستنتاج من اشتباكات الأمس أنّ القوات الروسية ستعاني في المستقبل. سوف يتعلّمون معاملة خصومهم باحترام أكبر، وسيكونون أكثر منهجيّة في تحرّكاتهم. ومع ذلك، فإنّ الانطباعات الأولى مهمّة. لقد تمّ تذكيرنا بأنّ معنويات أولئك الذين يدافعون عن بلادهم وعزيمتهم أقرب إلى أن تكون أعلى من تلك التي عند الغزاة، خاصة إذا كانوا غير واثقين من سبب قيامهم بذلك. نحن نعلم الآن أنّ الأوكرانيين جادّون في الدفاع عن بلدهم، وهم صامدون. لم يتزحزحوا. إنجاز سريع في الميدان كان سيساعد بوتين كثيراً. على سبيل المثال، كان من الممكن أن تبدو صياغة العقوبات الغربية وإنفاذها مختلفاً تماماً لو كانت أثناء سيطرة روسيا على أوكرانيا. هذا الوضع كان سيوفّر لمعارضي أيّ تحرّك عقابي حجّة مفادها أنّه مع الاعتراف بأنّ ما حدث لأوكرانيا هو مأساة، إلا أنّه لا يمكن فعل الكثير بشأنها، ولذا فإنّ التصرّفات الباهظة الثمن مثل العقوبات لا طائل من ورائها.

الصمود الأوكراني

المقاومة الأوكرانية الواضحة، وتكاليف الحرب لكلا الجانبين، ترفع أيضاً مستوى المخاطر بالنسبة إلى بوتين في الداخل. وكما لاحظ عدد من المحلّلين، فإنّ نفاد مخزون روسيا من الصواريخ الدقيقة، وانزلاقها إلى حرب المدن، يمكن أن يجعل القتال وحشيّاً. لقد تعرّضت العاصمة الشيشانية غروزني ومدينة حلب السورية للقصف بغارات روسية استهدفت المدنيين بشكل مباشر. ومع ذلك، فإنّ مستوى المعارضة الصاخبة في روسيا (وعدم وجود دعم متحمّس للحرب في أوكرانيا) لافت للنظر. كان من الغريب أن يصرّ بوتين على أنّ أوكرانيا يجب أن تكون حقّاً جزءاً من روسيا، ثمّ يتوقّع من الناس أن يتسامحوا مع قصف زملائهم السلاف، وغالباً ما يكونون أقرباءهم. إنّ بوتين، كمثل معظم الحكّام المستبدّين، تبقى لديه مخاوف من شعبه، وقد يبدأ في القلق بشأن موقفه بإزاء وقوع المزيد من القتلى الروس، وارتكاب الفظائع في أوكرانيا، والإدانة الدولية.

بالنسبة إلينا، نحن الذين تساءلنا منذ مدّة طويلة عن سبب قيام بوتين بشنّ حرب عدوانيّة، فإنّ اللغز الأساسي هو ما كان يأمل في تحقيقه سياسياً. كانت الحملة المحدودة في شرق أوكرانيا منطقية إلى حدّ ما لأنّها ستنشئ منطقة يمكن الحفاظ عليها، والدفاع عنها بمرور الوقت. أمّا الحجم الحالي للعمليات فهو أقلّ منطقية لأنّه يتطلّب تغيير النظام في كييف. في العراق وأفغانستان، تعلّمت كلٌّ من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة من خلال التجربة المريرة مدى صعوبة ذلك. حتى لو نصّبتَ في السلطة قادة حقيقيين نسبياً من ذوي الجذور المحلّية القوية (وليس من الواضح إن كان لدى روسيا أيٌّ من هؤلاء)، فإنّ الذين عيّنهم الأجانب سيتمتّعون بشرعيّة محدودة، وسيعتمدون قريباً على قوّة الاحتلال للاحتفاظ بالسلطة.

قبل ذلك، تحتاج القوات الروسية إلى العثور على الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي والتعامل معه. لقد أدّى حتى الآن دوره بكرامة وشجاعة كقائد حرب غير متوقّع. سيريد منه بوتين أن يبتعد عن الطريق. يصرّ زيلينسكي في الوقت الحالي على وجوب البقاء في كييف، وتوجيه المجهود الحربي، حتى مع الإبلاغ عن وجود مخرّبين روس في المدينة. في مرحلة ما، قد يتعيّن اتّخاذ قرار صعب بشأن انتقاله إلى غرب أوكرانيا أو حتى تشكيل حكومة في المنفى. لكن طالما أنّه يستطيع الاستمرار في العمل في أوكرانيا، فإنّ قيادته للبلاد تُعتبر وصمة لبوتين.

حتى لو فقدت الحكومة الأوكرانية السيطرة على العاصمة، وأُجبرت على الفرار، وبدأت تنهار أنظمة القيادة للقوات الأوكرانية، فإنّ هذا لا يعني أنّ روسيا قد انتصرت في الحرب. إنّها فقط عقليّة تفشل في فهم منابع الهويّة الوطنية لأوكرانيا، ويمكن أن تعتقد أنّه يمكن تنصيب شخصيّة موالية رئيساً لأوكرانيا، ثمّ تتوقّع أن تستمرّ في الحكم لمدّة طويلة جدّاً من دون دعم من قوّة الاحتلال. ليس لروسيا ببساطة العدد ولا القدرة على الحفاظ على مثل هذه القوة لأيّ حقبة زمنية. كان يمكن للمرء أن يعتقد أنّه مع ذكريات الثورة البرتقالية في عاميْ 2004 و2005، وتظاهرات 2013-2014 في ميدان الاستقلال في كييف، سيكون لبوتين بعض التقدير للدور الذي يمكن أن تلعبه “سلطة الشعب” في هذا البلد، إلا إذا كان يصدّق دعايته الخاصة بأنّ هذه الحركات الشعبية تلاعب بها الأميركيون وحلفاؤهم.

دور أوروبا العسكري

تشترك أوكرانيا في حدود برّيّة مع الناتو، ويمكن أن تمرّ المعدّات العسكرية إلى القوات النظامية الأوكرانية طالما أنّها تقاتل، ثمّ إلى تمرّد مناهض لروسيا إذا انتقل هذا الصراع إلى تلك المرحلة. لهذا السبب من المهمّ عدم التركيز فقط على ما إذا كانت روسيا تحقّق أهدافها العسكرية. الأهمّ كيفيّة احتفاظها بما أمكنها الاستيلاء عليه في مواجهة المقاومة المدنية والتمرّد المسلّح.

المغزى من الحروب (وقد درست الكثير منها) هو أنّها نادراً ما تسير وفق الخطة المرسومة. قد تفرض أحداث عارضة، أو عمليّات تمّ تنفيذها بشكل سيّء، تحوّلات مفاجئة في الاستراتيجية. يمكن أن تكون العواقب غير المقصودة على القدر نفسه من أهميّة النتائج المقصودة. هذه هي المزالق المحيطة بكلّ الحروب، ولماذا يجب تجنّبها، إلا لسبب وجيه (وأكثرها إلحاحاً هو الدفاع عن النفس).

قرار الشروع في هذه الحرب يقع على عاتق رجل واحد. وكما رأينا في وقت سابق من هذا الأسبوع، أصبح بوتين مهووساً بأوكرانيا، وتنتابه نظريّات شنيعة تبدو كذرائع للحرب، لكنّها قد تعكس أيضاً آراءه. لقد فُقِد الكثير من الأرواح بالفعل بسبب الظروف الخاصة لهذا الشخص الانفراديّ وشخصيّته، الذي يخشى كوفيد كما يخشى أوكرانيا في خياله. في بعض الأحيان في النُظم الديمقراطية، نأسف على الترهّل، وعدم الاتّساق، وقصر النظر، والقصور في صنع القرار لدينا، مقارنة بالحكّام المستبدّين الذين يمكنهم التغلب علينا بالتفكير على المدى الطويل، ثمّ اتّخاذ خطوات جريئة من دون الحاجة إلى إقناع الجمهور المتشكّك، والاستماع إلى الانتقادات، أو التراجع بسبب قيود محرجة مثل سيادة القانون. يذكّرنا بوتين بأنّ الاستبداد يمكن أن يؤدّي إلى أخطاء كبيرة، وبينما لا تمنعنا الديمقراطية بأيّ حال من الأحوال من ارتكاب أخطائنا، فإنّها على الأقلّ تتيح لنا فرصاً للانتقال بسرعة إلى قادة جدد وسياسات جديدة عندما يحدث ذلك.

فهل هذا ما يحدث لروسيا حالياً؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى