الغائبة الحاضرة

كتبت: كفا عبد الصمد

تراها شاخت، كبرت وتبدلت ملامحها، غزت التجاعيد وجهها، وتغيرت نبرة صوتها… إنها على أعتاب الثمانين، لكنها لا زالت تحافظ على رونقها. لم تأخذ السنوات منها شيئا، بل زادتها وقارا وحبا وعطاء.. لا لم تتغير، ابيض شعرها ربما، وتجعد جلدها، لكنها لا زالت جميلة، هادئة، مبتسمة.. لم يتآكلها صدأ الأيام، ولم ينال منها البعد والحرمان.. وقفت أمامها استذكر شيئا منها، نبرة صوتها، حركة يدها، قصة شعرها، أي شيء لا يهم، لمحة سريعة قادرة أن تعيدني اليها من جديد، طفلة تبحث عن حضن دافئ، وأمان دائم، وهدوء داخلي…

تبعثرت الصور في مخيلتي، لم تعد تتسع لكثير من الذكريات، هي أيضا بخلت علينا بعطاءاتها، كما بخلت علينا بسنواتها.. كل عام يمر يأخذ معه جزء من الماضي، تخوننا الذاكرة وترحل عنا الصور، ونعود مجبرين إلى اللاشيء بحثا عن ما ينقصنا وعبثا نحاول..

مرت الأيام بثقلها، كبرنا وهرمنا من الحزن، ولا زالت ذكراك حاضرة، نهرب إليك مع كل طلعة شمس، ونغفو على خيالك مع سواد الليل الحزين.. كان يجب أن تكوني رفيقة الدرب لكن مشوارك القصير، لم يتسع لقصصنا الكثيرة، فترجلت عن عربة الزمن، تاركة خلفك ذكرى قاسية وذاكرة خائنة…

أتساءل غالبا كيف كانت حياتي لو أنك لم ترحلين؟ طبعا كانت أهون وأخف عبئا.. كنت ستحملين عني قبل أن تحملين معي… كنت ستشعرين بي، وبحاجتي اليك… كنت ستشاركينني فرحي وتخففين ألمي.. كنت ستكونين اما عظيمة، وملجأ آمنا، وسلاما دائما! لا اعلم كيف كانت لتكون لكني على يقين بأن وجودك كان ليخفف عني الكثير… لعل بركة دعواتك كانت عرفت طريقها الي فما تكبدت كل هذا العناء من أجل الوصول الى اللامكان، والوقوف عند لحظة كان يمكن أن لا تكتب لو كنت أستحقها…

علمني غيابك كيف أتقن لعبة الخسارة، فقدت قيمة الأشياء قبل اقتناءها، واحيانا كثيرة قبل التعرف عليها.. من يخسر أما يخسر كل شيء، فكيف من خسر أمه قبل أن تكتمل ملامح نضوجه، يقبل على الحياة خاسرا رغم النجاح، مبتور المشاعر، يركض حتى يلهث من التعب ويجد أنه لا زال يراوح مكانه ولم يقدم خطوة إلى الامام… فعل الخسارة مهنة تكسبك إياها التجارب، لكن حين تسقط تجاربك من فلك الخسارة امر يضع في ميزانك حسابات من نوع آخر…

إنها أمي الغائبة عني قبل أن تحفظ عيني ملامح وجهها، والحاضرة معي رغم مرور الوقت وتوالي السنوات… أيتها الغائبة الحاضرة، في عيد الأم كما في كل مناسبة لك مني الف تحية وقبلة، ولهفة الى لقاء من جديد…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى