فرنجية ضمن إبعاد باسيل

كتب وليد شقير في نداء الوطن:

لم تكن المرة الأولى التي يتحدث فيها رئيس تيار “المردة” سليمان فرنجية عن حظوظه في رئاسة الجمهورية في مقابلته التلفزيونية أول من أمس، ليوحي بأنه حصان المرحلة، في تشرين الأول المقبل، متأرجحاً بين التزام منطق “الواقعية السياسية”، وبين اعتباره أن الانتخابات النيابية في ايار “ترسم صورة الانتخابات الرئاسية في الداخل، وتعطي صورة للخارج حول الاستحقاق، وأن كلام ما قبل الانتخابات يختلف عما بعده”، وبين تأكيده على أن هناك تسوية إقليمية آتية.

 

لكن حديث فرنجية هذه المرة جاء بعد محطتين، الأولى لقاؤه مع رئيس “التيار الوطني الحر” النائب جبران باسيل بضيافة الأمين العام ل”حزب الله” السيد حسن نصر الله حين دعاهما إلى إفطار في 8 نيسان الماضي، والثانية زيارته إلى موسكو في 18 من الشهر نفسه، التي رأى المراقبون أنها استقبلته بصفته صاحب الحظ الراجح للرئاسة في لبنان.

 

والمطلعون على جانب مما دار في الإفطار الذي جمعه مع باسيل بمبادرة من نصر الله، يشددون على أنه لا يعني ترجيح اختياره حصان الحزب للرئاسة، نظراً إلى أنه من المبكر أن يعطي الأخير التزاماً بحليفه الشمالي في شأن الرئاسة، قبل اتضاح ميزان القوة في البرلمان المقبل بنتيجة الانتخابات النيابية، من جهة، وقبل اتضاح المسار الذي ستسلكه المعادلة الإقليمية. لكن هؤلاء المطلعين لا يترددون في القول إنه تخلل الإفطار إشارات يفهم منها أن تأييد الحزب لترشيح فرنجية يتقدم على ما غيره، وهو يتصرف على هذا الأساس. فجل ما يهتم إليه نصر الله قبل الانتخابات هو ضمان عودة “التيار الوطني الحر” وباسيل إلى البرلمان بكتلة نيابية وازنة في البرلمان، تفوق عدد نواب حزب “القوات اللبنانية” ولو بنائب واحد أو نائبين، لقطع الطريق على تمكن الأخير من القول إنه الأقوى مسيحياً. ولذلك لم يتوانى “حزب الله” عن مصارحة فرنجية بأنه سيضطر إلى عدم تجيير أي أصوات سواء من مناصريه، أو من مناصري حلفائه الأقربين الذي يمون عليهم في الشمال أو الجبل، للمرشحين الذين يؤيدهم فرنجية، لأن الأولوية هي ضمان فوز أكبر عدد ممكن من مرشحي باسيل، الذين سيجير الحزب تلك الأصوات إليهم.

 

لكن هذا الموقف لم يمنع من اطلعوا على فحوى اللقاء من ترجيح ميل الحزب إلى تبني ترشيح فرنجية. فبعد الانتخابات النيابية، يكون نصر الله قام بما عليه لدعم باسيل ومساعدته على تعويض بعض ما خسره تياره من شعبية في الوسط المسيحي، ليتحول بعدها نحو دعم دعم فرنجية.

 

في أحاديثه التلفزيونية حدد فرنجية مواصفات للرئيس المقبل، سواء صراحة أو تلميحاً، والتي لا تعني ألا شيئاً واحداً هو استبعاد حظوظ باسيل كلياً. فالرئيس “القادر على استيعاب الجميع” صفة لا تنطبق على رئيس “التيار الحر”. فهو على خلاف مع كل الزعامات الرئيسة في البلاد باستثناء الحزب الذي تشوب علاقته به في الآونة الأخيرة حالة من التوتر التي تستوعبها قيادته نظراً إلى استمرار حاجته إلى تغطية الرئيس ميشال عون حتى نهاية ولايته. ووعد فرنجية بأن “يجمع” الفرقاء اللبنانيين، هي صفة أبعد ما تكون عن باسيل. وحديثه عن أن “علينا ننتظر التسوية الإقليمية بروية وعقلانية”، لا يمت بصلة إلى الأخير. فلا روية لدى رئيس “التيار الحر” بل افتعال المشاكل مع معظم الدول المعنية بلبنان سواء الغربية أو العربية، التي تعتبر نهجه ضمناً، وحتى إشعار آخر شخصاً مرفوضاً، خاضعاً للعقوبات الأميركية، نظراً إلى علاقته ب”حزب الله” من جهة وبسبب اتهامه بالفساد من جهة ثانية.

 

في المقابل ينسب المطلعون لفرنجية تأكيده أنه في حال أصبح رئيساً سيسعى إلى أن يكون زعيم تيار “المستقبل”الرئيس سعد الحريري رئيساً للحكومة، لأنه لا يجوز إبقاء زعامة السنة خارج المعادلة، بخوض صراع معهم بهدف عزل الطائفة وإضعاف موقعها في المعادلة، ملمحاً بذلك إلى عداء باسيل والرئيس ميشال عون لرئيس الحكومة السابق، مثلما لا يجوز خوض معركة إضعاف الطائفة الشيعية من قبل المسيحيين، ملمحاً بذلك إلى حزب “القوات اللبنانية”. وهو يرفض طروحات الفيدرالية من قبل بعض الأوساط المسيحية، ويتمسك بتطبيق اتفاق الطائف، وبالنظام الاقتصادي الحر.

 

وعلى ذمة الراوي أن فرنجية أبلغ نصر الله بوجوب تحسين العلاقة مع دول الخليج والتزام العروبة، وعدم معاداتها لأنها الشريان الاقتصادي للبنان، وأن علاقته مع هذه الدول جيدة على رغم أنها عادية، حتى لو كان مع محور الممانعة، وأن نصر الله وافقه الرأي. وعلى الصعيد الدولي فإن صلاته متوازنة مع روسيا ولا مشكلة لديه مع الدول الغربية، لأن هذه هي القاعدة في موقف لبنان…

 

يبقى السؤال الأساسي، حول كيفية إقناع الدول المعنية بالتوافق على رئيس الجمهورية، ومعها فرقاء لبنانيين، بألا تعتبر فرنجية امتداداً لعهد عون من زاوية تبعية الرئيس المقبل لمحور الممانعة، الذي هو أصلٌ للمشكلة التي نجمت عن فرض السياسة الإيرانية على الموقع المسيحي الأول في الدولة. فمنها تفرعت سائر الأزمات، وصولاً إلى الأزمة الاقتصادية الكارثية. ففرنجية يبقى ملتزماً هذا المحور في حال تبوأ المنصب، وإن كانت تجربة عون تخطت هذا الالتزام، إلا إذا كان يراهن على التسوية الإقليمية التي كرر القول إن حل مشكلة سلاح الحزب يأتي في سياقها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى