سلايداتمقالات

الهروب إلى تشرين..

كتبت: كفا عبد الصمد
مخطىء من ينظر اليه بعين الغدر، صحيح انه مزاجي ومتقلب، لكنه وفي وصادق، لا يوعدك بزهور وامل ولا يأتيك باحلام وردية، بل يطأطأ رأسه احتراما لأوراقه الصفراء، ويخجل من شجره المتعب وطبيعته المشردة، يعلم أنه يحمل مراحل الانتقال الى ما هو اقسى واصعب، لكنه لا يغدر بنا، يخبرنا الحقيقة بكثير من اللطافة وقليل من التجميل، يقول ما يجب قوله دون مواربة، يعبد طريق المطر ويرحل، لا يطلب الكثير ويحمل نواة التغيير، افكاره غريبة لكنها ليست مستحيلة، يعافر ويغالط ويقع لكنه منظم ومنضبط ولا يمنح شرف التخلص من اوراقه الصفراء وزهوره التي احرقتها شمس السماء الى احد، يتولى مهمة التخلص من فضلات الطبيعة وما خلفه صيفها الحارق، ليبدأ مع الربيع مهمة تكاملية في بناء اوقات افضل ومستقبل اكثر اشراقا…
الملفت بتشرين انه لا يستعجل عمله، حتى لو تطلب الامر وقتا، لا يابه، منظم يعرف ماذا يريد، يأخذ الوقت الكافي ليعيد ترتيب الخراب، يعري الحقائق ويكشف المستور، يقف قاب قوسين من التوهج الحقيقي، لا يبحث عن شهرة بل يسمع الاقاويل والاشاعات بآذان صماء وعقل منفتح، يقبل النقد ويتفهم الغضب ورفض البعض لتصرفاته غير المفهومة احيانا، كيف لا وهو عراب التغيير وامه وابيه…
لا تخافوا من سيول تشرين، سرعان ما تعرف طريقها الى الصرف الصحيح، قد تسبب وحولا وتقفل شوارع، بسبب قلة ضمير المسؤولين في بلدنا، لكنها سرعان ما تعيد الأمور الى نصابها… يغضب تشرين ويتملل من سطوة اللانظام، ينتفض ويثور لكنه يعرف كيف يعيد ترتيب الاوراق بما يليق باستقبال الربيع والوانه الوردية..
نحتاج هذا الهروب الى تشرين كي نجدد خلايانا الميتة ونعيد بناء الطبيعة باركانها الاساسية، نحتاج ان نعرج الى تشرين بين الحين والحين كي نلملم خيبات الماضي، نودع الاوراق الصفراء ونمسح حزن الطبيعة البائسة..
من يدري قد يكون تشرين نقطة البداية التي لا تحتاج الى اكثر من امطار الشتاء كي تنبت ربيعا مزهرا مشرقا متنوع الالوان… انه الصيغة المناسبة التي نهرب اليها كي نعود معها الى المكان الذي يليق بنا… لا تخافوا تشرين ولا تحكموا عليه، متقلب ومزاجي وغدار صفات الصقت به كي تبرئء غيره من الفصول، لكنه في الواقع نقطة التغيير المنتظرة، والمرحلة الاكثر صعوبة في رحلة الالف ميل نحو التغيير.. الشجر يبقي اوراقه المتساقطة حتى لو كانت صفراء، والطبيعة تبمي زهورها حتى لو اصبحت ذابلة، الحياة تودع فصولها بغصة لكنها تستمر، تحفظ صورا في ذاكرتها، وتعاقب ذاتها بالرعد والبرق والامطار، لكنها تعود لتنتج جديدا افضل واجمل…
اهربوا الى تشرين واعيدوا صياغة انفسكم من جديد علكم تجيدون فرصة حقيقة للحياة بعد ان تحولتم الى اجساد تفتقر ارواحها، وارتضيتم العيش نصف حياة ونصف انتماء، تحولتم الى دمى تحركها مصالح شخصية، اوراق شجر تقف على ناصية الغصن، ترفض السقوط ولا تعرف طريقها الى الولادة من جديد.. الهروب الى تشرين نعمة يجب ان نحسن استغلالها، كي لا نبقى مجرد اصفار على الهامش، نعيش في الوقت بدل الضائع ما يشبه الحياة بانتظار رحمة عابرة او شفقة مرجوة…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى