سلايداتمقالات

لماذا زعل الناس من السفير برّاك حين قال إنّ لبنان دولة فاشلة؟

كتب المحامي مروان سلام في اللواء:
لعلّ العبارة التي أطلقها السفير الأميركي برّاك عن لبنان بأنه “دولة فاشلة” لم تكن جديدة بقدر ما كانت صادمة لأنها قيلت بصوتٍ مرتفع من فمٍ ديبلوماسي، بينما يهمس بها اللبنانيون منذ سنوات في مقاهيهم، ومجالسهم، وحتى خلف أبواب بيوتهم المغلقة. فالصدمة لم تأتِ من الحقيقة نفسها، بل من جرأة من قالها، لأنّ اللبنانيين باتوا يكرهون سماع الحقيقة حين تصدر من الخارج، بينما يعيشونها يوميًا في الداخل.

نعم، لبنان فشل، فشل لأنّ الدولة تحوّلت إلى مزرعةٍ يتقاسمها أمراء الطوائف، ولكلّ منهم خزينته، وإدارته، وميليشياه الإعلامية والسياسية. فشل لأنّ القانون يُطبّق على الضعيف ويتوارى أمام صاحب النفوذ. فشل لأنّ الفساد لم يعد جريمة بل ثقافة، ولم يعد الاستثناء بل صار القاعدة. فشل لأنّ العدالة لا تُنصف، والمؤسسات لا تعمل، والموظف الشريف يعيش مذلولًا بينما الفاسد يتنعّم بالسلطة والحماية.
الفشل في لبنان ليس صدفة، بل نتيجة منهجٍ متواصل من التفريط بالدولة، منذ نهاية الحرب الأهلية، لم تُبنَ مؤسسات على قاعدة الكفاءة والمساءلة، بل على قاعدة الولاء والانتماء. فالدولة التي يفترض أن تكون المرجع الأعلى أصبحت طرفًا بين أطراف، وصارت سيادتها وجهة نظر، وقرارها مرهونًا برضا الخارج أو موازين الداخل.

وحين يتحدّث السفير الأميركي عن “دولة فاشلة”، فهل يُخطئ؟ أين القضاء الذي يعاقب المجرمين؟ أين الكهرباء بعد ثلاثين سنة من الوعود؟ أين المال العام بعد أن نُهب حتى آخر دولار؟ أين هيبة الدولة أمام السلاح المتفلّت والمربعات الأمنية؟ أين الأمن الاجتماعي، وأين الثقة؟ كلّها أسئلة معلّقة في فراغ السلطة، لأنّ لبنان يعيش اليوم فوضى سياسية واقتصادية وأخلاقية متكاملة، لا تنقصها إلا جرأة الاعتراف.
لكن المفارقة المؤلمة أنّ اللبنانيين بدل أن يثوروا على منظومتهم، ثاروا على السفير الذي سمّاها باسمها، وكأنّ الكلمة هي الجريمة لا الواقع، وكأنّ الوطنية أصبحت إنكار الحقيقة لا مواجهتها. هذه الحساسية المفرطة تجاه توصيف “الدولة الفاشلة” لا تعبّر عن كرامة وطنية بقدر ما تكشف عمق الإنكار الجماعي الذي يعيش فيه الشعب والنخبة معًا.

لبنان لن ينهض ما دام كلّ فريق يرى الفشل في الآخر لا في نفسه، ولن يُبنى وطن طالما المواطن يهرب من مواجهة الحقيقة، والمسؤول يهرب من المحاسبة. فالمشكلة ليست في برّاك، بل في نظامٍ داخليٍّ مريضٍ يرفض الشفاء.
إنّ أول خطوة في طريق الإنقاذ هي أن نعترف أننا فشلنا لا ليشمت بنا أحد، بل لنتوقف عن خداع أنفسنا، فالوطن لا يُبنى بالشعارات ولا بالإنكار، بل بالشجاعة في مواجهة الفوضى، وإعادة الاعتبار إلى مفهوم الدولة التي فُقدت في زحمة الولاءات والمصالح.
فبرّاك لم يُهِن لبنان… نحن من أهنّاه من سنوات طوال.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى