
كتب نجم الهاشم في نداء الوطن:
بين “حزب الله” ورئيس الجمهورية العماد جوزاف عون حسابات معقدة في العلاقة تراوح بين مدّ وجزر منذ تولّى قيادة الجيش عام 2017. هذه الحسابات ترتقي من الملاحظات الصغيرة إلى الاختلاف في الخيارات الكبيرة والاستراتجية إلى الحدّ الذي يمكن معه القول إنهما لا يمكن أن يلتقيا على أرض واحدة إلا إذا تغيّر “الحزب” أو تغيّر الرئيس. ولكن لا “الحزب” يتغيّر ولا الرئيس يتبدّل حتى عندما كان قائدًا للجيش لم يفعل.
في جلسة مجلس الوزراء التي عقدت في القصر الجمهوري في 8 آذار 2017، عُيِّن العميد الركن جوزاف خليل عون قائدًا للجيش، من ضمن سلسلة تعيينات أمنية وقضائية هي الأولى بعد انتخاب العماد ميشال عون رئيسًا للجمهورية وتشكيل حكومة برئاسة الرئيس سعد الحريري.
هذا التعيين أتى بعد تمديد ولاية سلفه العماد جان قهوجي لمرتين نتيجة تعذر التوافق على مرشح بديل، في مرحلة الفراغ الرئاسي الذي فرضه “حزب الله” بعد انتهاء ولاية الرئيس ميشال سليمان. اعتُبِر عون وقتها من المحسوبين على الرئيس عون وكان خدم بعد تعيينه قائدًا للواء التاسع في الجنوب عام 2015 قبل أن يُنقل مع اللواء إلى منطقة عرسال. هكذا اختبر التوترات الحدودية مع إسرائيل حيث كان “حزب الله” يحتفظ بشكل مستمرّ بدور عكسري وأمني، واختبر العلاقة معه على الأرض. كما أنه في عرسال والجرود اختبر أيضًا ظروف المواجهة مع الفصائل الإسلامية الأصولية المعارضة لرئيس النظام السوري بشار الأسد و “حزب الله”.
فجر الجرود والقيادة
من أولى المهام التي تحمّلها بعد تعيينه قائدًا للجيش كانت معركة “فجر الجرود” التي تم خلالها طرد هذه الجماعات من القلمون وجرود القاع وراس بعلبك وعرسال. ولكن لم يُتَح للجيش أن يحتفل بهذا النصر الذي حاول “حزب الله” أن ينسبه إلى نفسه، على رغم أنه قام بصفقة تبادل أسرى وقتلى مع المسلحين سمح لهم بموجبها الانتقال إلى منطقة إدلب.
إذا كانت الأرض اتسعت للجيش ولـ “حزب الله” معًا فإن التطورات التي حصلت لاحقًا أظهرت أن الجيش وحده هو الذي يجب أن يبقى مسيطرًا على الأرض في الجنوب وفي كل لبنان وحاميًا للحدود. وما جمعته الأرض فرّقته مسألة السيادة التي لا يمكن أن تتجزأ أو تُجيَّر.
ثورة 17 تشرين 2019 كانت الشرارة التي أشعلت النار بين قائد الجيش من جهة وبين “حزب الله” ورئيس الجمهورية العماد ميشال عون اللذين كانا في صف واحد واعتَبرا أن قائد الجيش لم ينفذ الأوامر التي تلقاها بالتصدّي للمتظاهرين وفتح الطرقات بالقوة. هذا التاريخ وضع العماد جوزاف عون على سكّة الوصول إلى رئاسة الجمهورية، وفي المقابل كان بداية العد العكسي لنهاية مأسوية لعهد الرئيس عون الذي لم يعرف كيف يبني ولايته وعهده بتبني مطالب الشارع المنتفض، وفضّل أن يبقى على تحالفه مع “حزب الله”. نتيجة هذا الواقع تولّى “الحزب” عملية قمع المعارضين وأحرق أكثر من مرّة خيمهم وقبضة الثورة في وسط بيروت واعتدى عليهم بالضرب، ومن دون تصدي الجيش له أيضًا.
السباق إلى القصر
كانت هذه التجربة كافية لتضع حدًّا فاصلًا بين رئيس الجمهورية ميشال عون وقائد الجيش جوزاف عون بعد عامين فقط على تعيينه لتتحوّل العلاقة إلى تنافس وخصام خصوصًا أن الرئيس وصهره جبران باسيل اتهما قائد الجيش بالتآمر على العهد وبدا كأنهما باتا يعتبرانه منافسًا رئيسيًا لباسيل في السباق إلى قصر بعبدا. لذلك حاولا إقالته ثم تعيين قائد بديل عنه، ولكن محاولاتهما فشلت بعد تكتل القوى السياسية الأخرى في التمديد له بعد انتهاء ولاية عون، ومن بينها “حزب الله”، ليس حبًّا به بل تقطيعًا للوقت.
كانت هذه التجربة أيضًا كافية لبدء علاقة متوترة مع “الحزب”. ولكن الطرفين، “الحزب” والقائد، حاولا دائمًا أن ينفيا الخلاف. كان أمين عام الحزب السيد حسن نصرالله أعلن التزامه ترشيح رئيس تيار المردة سليمان فرنجية لرئاسة الجمهورية، وكان يعتبر أن جوزاف عون يشكل أيضًا منافسًا له وأنه المرشح الحقيقي المنافس، ولكنه على عكس عون وباسيل تحاشى الإعلان عن هذا الخلاف. ولكن الأحداث تجاوزت هذا الحذر وتخطّته.
السفيرة التي لا “تتعزّل” من اليرزة
في 14 تشرين الأول 2021 حاولت مجموعات من مناصري “الحزب” التوجه إلى قصر العدل في بيروت في تظاهرة مطالبة بقبع المحقق العدلي في قضية تفجير مرفأ بيروت القاضي طارق البيطار، وفي الطريق حصلت مواجهة محدودة عندما حاولوا الدخول إلى منطفة عين الرمانة فتصدّى لهم الجيش بالقوة وأدّى ذلك إلى سقوط عدد من القتلى. هذا الحادث وضع “الحزب” في مواجهة مع قائد الجيش مضافة إلى مآخذه المتراكمة منذ 17 تشرين. ولذلك كان لا بدّ من هذا التراكم أن ينفجر.
في 8 شباط 2022 كشف السيد نصرالله عن بعض ما يخبئه من مواقف تجاه قائد الجيش عندما أعلن في حديث إلى تلفزيون العالم الإيراني أن النفوذ الأميركي في لبنان موجود وقال: “لا توجد قواعد عسكرية أميركية في لبنان، لكن لديهم حضور في المؤسسة العسكرية وهناك ضباط أميركيون في اليرزة والسفيرة الأميركية لا تتعزّل من هناك ولازقة بالجيش… والسفارة الأميركية هي أداة للاستخبارات الأميركية ومبنى السفارة الجديد هو مركز للتجسس على دول عدّة في منطقة الشرق الأوسط”، واتهم السفارة بأنها “كانت تجند عملاء لمصلحة الكيان الصهيوني”. في ذلك الحديث كشف نصر الله أن “حجم القدرات الموجودة كمًّا ونوعًا والقدرة البشرية الموجودة لدى “حزب الله” لا سابق لها في تاريخ لبنان، بل في تاريخ المقاومات بوجه العدو، لا تُمكّنهم من القضاء على المقاومة في أي حرب”، مؤكدًا أن هناك “أموراً مخبأة لمفاجأة العـدو في أي حرب مقبلة”.
حسابات نصرالله الخاطئة
ولكن ظهر سريعًا أن حسابات نصرالله كانت خاطئة على مستوى العلاقة مع الجيش وقائده، وعلى مستوى الردع العسكري ضد إسرائيل. فقد أظهرت الوقائع على الأرض منذ أعلن حرب المساندة أن إسرائيل تملك كل مقومات التفوّق العسكري والأمني وقد نجحت في القضاء على مقدّرات “الحزب” وقياداته وعلى نصرالله، الأمر الذي فرض على خلفه الشيخ نعيم قاسم القبول باتفاق وقف الاعتداءات في 27 تشرين الثاني 2024 الذي ينصّ صراحة على نزع سلاح “الحزب”.
هذا التطور نزع من يد “الحزب” القدرة على منع وصول العماد جوزاف عون إلى رئاسة الجمهورية وعلى استمراره في تعطيل نصاب جلسات الانتخاب. في 9 كانون الثاني 2025 كان مضطرًا للسير بهذا القرار بعد جلسة مع عون بين جلستي الانتخاب. عندما حاول لاحقًا رئيس كتلة نواب “الحزب” محمد رعد الحديث عن خداع حصل ردّ عليه النائب علي حسن خليل بنفي مثل هذا الأمر خصوصًا أنّ اللقاء كان برعاية الرئيس نبيه بري. وعندما أعلن النائب حسن فضل الله أن حزبه حصل على تعهدات من الرئيس نفى الرئيس هذا الأمر كما نفاه أيضًا حسن خليل.
انكشاف الخداع
حاول “الحزب” أن يلعب على العلاقة بين رئيسي الجمهورية والحكومة جوزاف عون ونوّاف سلام، ولكنه فشل. مرة واحدة نجح في هز هذه العلاقة عندما أضاء بالقوة صخرة الروشة متحدّيًا قرار سلام بمنع ذلك. ولكن القرار عاد واحدًا في مجلس الوزراء في جلستي 5 و7 آب 2025 اللتين تقرّر فيهما تنفيذ قرار نزع سلاح الحزب. بعد جلسة 5 أيلول حاول “الحزب” أن يقول إن الرئيس تراجع مع مجلس الوزراء عن تنفيذ القرار، ولكن الرئيس في جردة الحساب بعد عام على تولّيه الرئاسة، أعلن تنظيف منطقة جنوب الليطاني من السلاح وأنه ماضٍ في تنفيذ خطاب القسم. ولاقاه الرئيس سلام بالإعلان عن أن نزع السلاح تنفيذ لاتفاق الطائف، وأن لا فصل بين جنوب الليطاني وبين شماله بالنسبة إلى حصرية السلاح.
ثمة حدود للعلاقة بين الرئيس وبين “الحزب” لا يمكن أن تفصل فيها زيارات النائب محمد رعد إلى قصر بعبدا. ذلك أن الوقت يعمل لصالح الدولة ولم يعد بإمكان الرئيس أن يراعي ظروف “الحزب” أكثر من ذلك. وإن كان دعاه إلى أن “يتعقلن” فإنه مدعو أيضًا في لحظة معينة إلى التخلي عن “عقلنته” والانتصار لمنطق الدولة وحصرية السلاح قبل أن يتحوّل عامل الوقت إلى اللعب ضدّه وضدّ الدولة. فقد كشفت الهجمات التي شنها “حزب الله” ومؤيدون له على الرئيس مدى كرههم له ومكامن النفوس المعبأة ضدّه وحقيقة مواقفهم منه التي حاولوا إخفاءها وتغطيتها بكلام مهادن، وهي مواقف وشتائم لم يعد من الممكن محوها أو تجاوزها والقفز فوقها.




