
ضحّى نبيه بري كثيراً، منذ قرّر حزب الله الدخول في حرب الانتحار المسمّاة حرب إسناد. حين جنّ الإسرائيلي وأطلق أفيخاي أدرعي تهديداته بقصف الجنوب وتهجير أهله، لم ينم بري الليل سعياً لتأمين مأوى لعائلة، وبطّانيّات لأخرى. ثمّ رأى “جنوبه” يُدمّر في حربٍ “على طريق القدس”، قبل أن يلعب دور الإطفائي ويفاوض حفاظاً على ما تبقّى، أو ما أبقاه جرم الإسرائيلي ومغامرات حزب الله.
نبيه بري اليوم في لحظة غضبٍ وحزنٍ غير مسبوقَين. بعض من يلتقيه ينقل عنه سماعه كلاماً لم يسمعه منه من قبل، تعبيراً عن عتبه الشديد على سلوك حزب الله ومواقف أمينه العام. في الأسبوع الماضي “فشّ خلقه” أمام رئيس الجمهوريّة. أول من أمس، صُدم بموقف الشيخ نعيم قاسم عن عدم الوقوف على الحياد في حال شُنّت حربٌ على إيران. شاركه الرئيس جوزاف عون الصدمة نفسها.
شبع ابن الثامنة والثمانين من الحروب. لا يريد لابن الجنوب أن يتهجّر من أرضه من جديد. لا يريد لمواسم زرع أن تذبل أو تُحرق، ولبيوتٍ أن تصبح بلا سقف وذكريات. ومهما قيل عن بري في السياسة، فهو لم يكن انتحاريّاً يوماً ولا خاض مغامراتٍ غير محسوبة ولا تخلّى عن لبنانيّته خدمةً لحربٍ في سوريا أو إسناداً لغزة أو اليمن، ولا حوّل شباباً في أنفاق ورقةً في يد مفاوضٍ إيراني.
يزداد الشرخ اليوم بين بري وحزب الله. يقول مصدرٌ قريبٌ إنّ التواصل مع “الحزب”، الذي يتولّاه النائب علي حسن خليل، كان يتمّ عبر هاتفٍ أرضيّ. اتصالٌ يتضمّن سؤالاً أو اقتراحاً، ثمّ يأتي ردّ حزب الله بعد ساعتين أو ثلاث. بينما يتأخّر الردّ اليوم لأيّام، وقد لا يأتي أبداً.
وليس عابراً أبداً أن يصعد بري الى بعبدا بعد كلام الرئيس جوزاف عون والحملة عليه، بأوامر من حزب الله ولو نفت قيادته ذلك. وليس عابراً أبداً ردّ بري القاسي على جريدة “الحزب” الصفراء، بانتمائها ومضمونها. وليس عابراً أيضاً تراجع بعض وجوه حركة “أمل” في الإعلام عن الاستفاضة في الدفاع عن خيارات حزب الله.
ما سبق كلّه يُعبّر عن حقيقة تموضع بري اليوم، حيث بات أقرب الى عون، مع خطاب الأخير الواضح ورأيه الصريح بحزب الله، منه الى “الحزب” وفي ذلك بداية نعي لـ “الثنائي” كفريقين متناغمين في معظم الخيارات، من دون أن يعني ذلك بلوغ حدّ الخلاف العلني أو أيّة عودة الى إهراق الدم الشيعي الذي يُعتبر، بالنسبة إلى بري، خطّاً أحمر لا يجوز تخطّيه.
سيتحالف “أمل” وحزب الله في الانتخابات النيابيّة المقبلة. لن يتحوّل الاختلاف الى خلافٍ كبير. سيغضب بري بين جدران عين التينة، أو في مكتب الرئيس عون في بعبدا. لكنّ الرجل الذي يبلغ اليوم عامه الثامن والثمانين ليس غاضباً فقط. هو خائفٌ على الجنوب ولبنان من حربٍ بات يخشى، أكثر من أيّ وقتٍ مضى، أن تكون أضحت حتميّة.
قد تكون مسألة وقت قبل أن تُقصف إيران ويُقصف لبنان… ما أسوأ هذه الوحدة، في المسار والمصير.




