سلايداتمقالات

إيران المحشورة بين الدّور والموقع: انكماش أم انكسار؟

كتب رضوان السيد في اساس ميديا:

تنحشر إيران تاريخيّاً بين الموقع والدور، فالهضبة الإيرانيّة حين تتوحّد تُقيم دولةً كبرى ثمّ إمبراطوريّة. لكن في العصر الحديث انكمشت وقامت فيها دولة وطنيّة. وجاء عهد الملالي (1979) ليعيد المدّ الإمبراطوريّ باتّجاه دول الجوار. وأعانتهم على الامتداد إرادة الأميركيّين إحلال إيران والإخوان محلّ السلطات العربيّة. ينقلب الوضع الآن ويُراد إرغام إيران على العودة للداخل: فهل ينكمش النظام أم ينكسر؟

 

نسي العالم المواجهة الإيرانيّة – العربيّة لأكثر من عقدين، وتحوّلت المواجهة إلى صراع بين أميركا وإيران بمشاركة إسرائيل، أو العكس بين إسرائيل وإيران بمشاركة أميركيّة.

ظللت منذ التسعينيّات من القرن الماضي حتّى عام 2022، عندما توسّطت الصين بين المملكة العربية السعوديّة وإيران من أجل عقد مصالحة بينهما، أكتب عن الاندفاع الإيرانيّ لتفكيك دول الجوار العربيّ أو تقسيمها ونشر المذهبيّة والحزبيّة فيها. جمعت المقالات العشرين وأعمال المؤتمرات في كتابٍ (2014، 2017) سمّيته: “العرب والإيرانيّون وعلاقات الزمن الحاضر”. وكنت في مطالع القرن الحادي والعشرين قد ترجمت إلى العربيّة كتاب روي متحدة (1986) “بردة النبيّ.. الدين والسياسة في إيران” لفهم الشخصيّة الإيرانيّة وسرّ سلطة رجال الدين.

تنحشر إيران تاريخيّاً بين الموقع والدور، فالهضبة الإيرانيّة حين تتوحّد تُقيم دولةً كبرى ثمّ إمبراطوريّة. لكن في العصر الحديث انكمشت وقامت فيها دولة وطنيّة

مشكلات بنيويّة واستراتيجيّة

شغلني بالفعل إصرار سلطات الملالي على تخريب دول الجوار، وما عاد يمكن تعليل ذلك بحرب صدّام الذي شنّت أميركا الحرب عليه عام 2003 فأزالت نظامه السياسيّ وخرّبت البلاد بمساعدة إيران وبسيطرة ميليشياتها عليها حتّى اليوم. وعندما كنّا نذكّر أصدقاءنا الإيرانيّين بما يحدث في لبنان والعراق وسورية، كانوا يجيبون إجابات متنوّعة مثل: لا ذنب لإيران فأنصارها المتحمّسون من تلك البلدان هم الثائرون، أو كانوا مظلومين وقد ثاروا من أجل العدل والمواطنة، أو لا بدّ من هذا التحشّد لإحياء ما أماته العرب في قضيّة فلسطين، وأخيراً: لا عذر للضعفاء لأنّهم يجنون على أنفسهم.

منذ عام 2022 بعد المصالحة تغيّر الكثير الكثير: ضُربت أقوى التنظيمات الإيرانيّة (“حماس” و”الحزب”)، وخرجت كلّ الميليشيات الإيرانيّة من سورية، وما عاد أنصار إيران بالعراق يستطيعون تشكيل حكومة إذا لم تكن أميركا موافقةً عليها، وفي حرب الاثني عشر يوماً تبيّن أنّ إيران لا تستطيع الدفاع عن نفسها بسبب تفوّق القوّة القاهرة.

نتيجة ذلك كلّه انتظر الجميع أن تتغيّر إيران لجهة التعامل مع شعبها، التعامل مع الملفّ النوويّ، والتعامل مع دول الجوار. بيد أنّ شيئاً من ذلك لم يحدث حتّى الآن. في المفاوضات مع أميركا ما يزال الخلاف على التخصيب. ومع دول الجوار ما يزالون يريدون ارتهان العراق ولبنان بالسلاح والنفوذ والمخدّرات واستصفاء الأموال. أمّا بالداخل فكلّ يوم تُصرّح جهات عن زيادة أعداد القتلى آلافاً في الاضطرابات التي بدأت الشهر الماضي. إنّ هذا يعني أنّ شيئاً لم يتغيّر وإن ضعفت إيران وميليشياتها كثيراً، وربّما لم تعد تقوى على القتال أو الردّ اللائق بدولة تعتبر نفسها كبرى.

لدى إيران مشكلات بنيويّة ولديها بالأولويّة مشكلات استراتيجيّة. منذ عدّة مئات من السنين إن لم يكن أكثر وإيران منحشرة بين الموقع والدور. الهضبة الإيرانيّة الضخمة والشاسعة إذا توحّدت تحت سلطة واحدة تصبح دولةً كبرى. ولذلك استطاعت “الكسراويات” في تاريخ إيران إنشاء إمبراطوريّات انطلاقاً من الهضبة. على الفور، وبعد توحيد الهضبة أيّام الأخمينيّين والساسانيّين، طمحت إلى دورٍ أكبر فتوسّعت باتّجاه العراق والبحر المتوسّط حتّى مصر، وتوسّعت باتّجاه آسيا الوسطى والقوقاز، ومن الطرف الآخر باتّجاه شبه القارّة الهنديّة.

انتظر الجميع أن تتغيّر إيران لجهة التعامل مع شعبها، التعامل مع الملفّ النوويّ، والتعامل مع دول الجوار. بيد أنّ شيئاً من ذلك لم يحدث حتّى الآن

البلاء الأعظم؟

مع التوسّع الاستراتيجيّ حدث التوسّع الثقافيّ، فصارت اللغة الفارسيّة القديمة والوسيطة سائدة في أكثر الأصقاع. حتّى الانكماش في ظلّ الإسلام ما استمرّ طويلاً، وعادت سلالات إيرانيّة وتركيّة من الشرق لتسيطر على بغداد وما وراءها. وجاء الانكماش الأوّل في عهود الإسلام بسيطرة المغول والتتار على ديار الإسلام على حساب الشعب الإيرانيّ. وفي زمن الاستعمار وقيام الدول الحديثة، كانت إيران مهيضة الجناح حتّى استعادت قوامها أيّام الشاهنشاهَين الأب والابن في القرن العشرين. لكنّها لم تخرج عن كونها دولةً وطنيّةً متوسّطة، إلى أن بدأت توسّعها الكبير بعد الثورة الإسلاميّة عام 1979.

في عهد ولاية الفقيه اجتمعت لها عدّة عوامل مغرية: سلطة الملالي الذين لا يؤمنون بالحدود في دار الإسلام، وذكريات التاريخ الذي كانت السيطرة فيه تمتدّ في الشرق والغرب، والعامل الثالث حاجة الولايات المتّحدة إليها لإزاحة الأنظمة التي كانت أميركا تريد إحلال الإسلامويّين محلّها، ومن إيران إلى الإخوان!

الجديد في التصدّع والانكماش الإيرانيَّين، اللذين لم يُعترف بهما بعد، أنّ الأميركيّين الذين دعموا امتدادها في عهدَي جورج بوش الابن وباراك أوباما، بل وجو بايدن، هم الذين يشتدّون في ضربها الآن في الأطراف والقلب لتعيد ضمّ أجنحتها أو تنكسر تلك الأجنحة وتصبح مهيضة الجناح.

لا يريد العرب في الجزيرة وخارجها المساهمة في تكسير أجنحة إيران كما فعل صدّام حسين فابتلاهم البلاء الأعظم. ولذلك طلب العديد منهم ألّا تشنّ الولايات المتّحدة حرباً ثانية على إيران. لكن إذا ازدادت إيران ضعفاً فهل تكون حالات العراق وسورية ولبنان أفضل؟ لقد كانت أزمات تلك البلدان خارجيّة من إيران ومن غيرها. أمّا اليوم فقد صارت معظمها داخليّة سواء دخل الخارج أو لم يدخل. ولذلك إيران الحاليّة لم تعد مغريةً كفاية، وأمّا إذا ازدادت ضعفاً فستصبح أقلَّ إغراءً

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى