
كتبت داود رمال في أخبار اليوم:
عودة لجنة “الميكانيزم” إلى الانعقاد تُقرأ باعتبارها إطاراً تنفيذياً لإعادة تنظيم آليات التنسيق والمراقبة المرتبطة بترتيبات وقف الأعمال العدائية، وضبط الإيقاع الميداني جنوباً، وتعزيز حضور الدولة عبر مؤسساتها الشرعية. فاللجنة، التي تشكّل منصة تنسيق بين الأطراف المعنية برعاية دولية، يُنتظر أن تبحث في تثبيت قواعد الاشتباك، وتوسيع نطاق الانتشار الفعلي للقوى الشرعية، وضمان الوصول الى الاستقرار الذي لا زالت الاعتداءات الاسرائيلية عائقا امام الوصول اليه، ويُفترض أن تشكّل اجتماعات الخامس والعشرين اختباراً لمدى جهوزية لبنان الرسمي لتقديم رؤية واضحة حول دور الجيش والقوى الأمنية في المرحلة المقبلة، ولا سيما في ضوء النقاش الدائر حول مستقبل مهمة اليونيفيل وحجمها وطبيعة دورها.
في موازاة ذلك، يتخذ مؤتمر دعم الجيش وقوى الأمن الداخلي بُعداً يتجاوز البُعد المالي المباشر، ليعبّر عن مقاربة سياسية دولية تعتبر أن تثبيت الاستقرار في لبنان يمرّ حكماً عبر تقوية مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية. فالمؤتمر المرتقب في الخامس من آذار يأتي في سياق سعي الحكومة إلى تأمين شبكة أمان للمؤسسة العسكرية التي تتحمّل أعباء متزايدة، سواء على مستوى الانتشار جنوباً أو في الداخل، في ظل أزمات اقتصادية واجتماعية ضاغطة انعكست على قدراتها اللوجستية والمعيشية. كما يشكّل المؤتمر رسالة سياسية بأن المجتمع الدولي لا يزال يرى في الجيش وقوى الأمن الداخلي العمود الفقري للاستقرار، وأداة حصرية لتكريس سيادة الدولة.
الترابط بين استئناف اجتماعات “الميكانيزم” يمكن وصفه بأنه ترابطا عضويا، إذ إن نجاح اللجنة في إنتاج تفاهمات عملية قابلة للتنفيذ يعزّز حظوظ المؤتمر في ترجمة وعوده إلى التزامات ملموسة، فيما يشكّل توفير الدعم المالي واللوجستي للمؤسسات الأمنية شرطاً أساسياً لتنفيذ أي تفاهمات ميدانية. ومن هنا تبدو الحكومة أمام استحقاق مزدوج: أولاً، تقديم خطة متكاملة تبيّن كيفية توظيف الدعم الدولي في تعزيز الانتشار والانضباط والجاهزية؛ وثانياً، إظهار إرادة سياسية واضحة في تكريس مرجعية الدولة في إدارة الملف الأمني، بما يطمئن الشركاء الدوليين ويؤسس لمرحلة أكثر استقراراً.
أما البعد المتصل بمرحلة ما بعد اليونيفيل، فيحضر بوصفه أحد العناصر الضاغطة في النقاشات الجارية. فإعادة تعريف دور القوات الدولية أو تعديل طبيعة انتشارها يضع على عاتق الدولة اللبنانية مسؤولية مضاعفة في ملء أي فراغ محتمل، سواء عبر تعزيز عديد الجيش في الجنوب أو تطوير آليات التنسيق مع الجهات الدولية الضامنة. ومن هنا تكتسب اجتماعات “الميكانيزم” أهمية خاصة، باعتبارها مساحة اختبار عملية للقدرة على الانتقال التدريجي من إدارة دولية ميدانية موسّعة إلى دور لبناني أكثر حضوراً وفعالية.
تقف الدولة اللبنانية أمام فرصة لإعادة تثبيت معادلة واضحة تقوم على دعم دولي مقابل التزام داخلي بتعزيز مؤسسات الشرعية. فبين اجتماع “الميكانيزم” في الخامس والعشرين ومؤتمر الدعم في الخامس من آذار، تتبلور مرحلة مفصلية عنوانها اختبار الجدية في تحويل التعهدات السياسية إلى إجراءات تنفيذية، بما يرسّخ الاستقرار ويعيد الاعتبار لدور الجيش وقوى الأمن الداخلي كركيزة لا غنى عنها في حماية لبنان وصون سيادته.




