
صلَّى وصامَ لأَمرٍ كانَ يطلبُهُ لمّا انقضى الأمرُ، لا صلّى ولا صاما
نصومُ، ونصلّي… نصومُ عن الأكل ولا نصومُ عن القتل…
وهل سألتَ لماذا شاء ربُّك هذا العام أن يوحِّد بالصيام بين المسلمين والمسيحيّين، وقد فرَّقتْهُم الشهوات والنزوات، وتفرّقوا بالمذاهب والدين والوطن؟
هدفُ الصيام، بالنسبة إلى المسيحية والإسلام، ليس بالإنقطاع عن الطعام، بلْ بالإنقطاع عن الآثام وإعلان التوبة أمام الله الذي تقول له مريم في القرآن: «إني نذرتُ للرحمن صوماً…» (1).
الديانة الإسلامية تعتبر الصيام نوعاً من العبادة وأحد أركان الإسلام الخمسة، وهو في المسيحية نوعٌ من التسامي الروحي نحو الله.
وهو في الديانتَين مدعاةٌ لتوحيد الذات الإنسانية منزّهةً عن الغرائز والإنقسامات والضغائن والعداوات.
وإلّا… فلماذا إذاً، يدعو البابا يوحنا بولس الثاني المسيحيّين في العالم إلى أن يصوموا مع المسلمين آخر أيام الصوم الرمضاني؟
ولماذا إذاً، كان النبيّ يصوم هو والصحابة يوم «كيبور» أي يوم الغفران مع اليهود؟ وهو أيضاً صوم «الكفارة» الذي مارسَهُ المسيح حسب الشريعة الموساوية.
وفي الصيام رسالةٌ لوقف الحروب منذ أن كانت القبائل العربية في الجاهلية تمتنع عن الحرب في الأشهر الحرام، وهذا ما جعل «غاندي» يبدأ صيامه في بيت رجلٍ مسلم توصّلاً إلى وقف القتال بين المسلمين والهندوس.
ومثلَهُ فعلَ الإمام موسى الصدر حين راح يصوم أمام مذبحٍ في الكنيسة لوقف المذابح والدم اللبناني المراق في أوائل حرب 1975.
ولكن، فيما كان صيام المسيح على الجبل انتصاراً على تجربة إبليس… وفيما أغراض الصيام في الإسلام تستهدف قهر الشيطان.
كان أسوأ خطايا المسيحيّين والمسلمين في لبنان هو السقوط في تجربة الشيطان على الجبل، وتجربة الشيطان في الجنوب وعلى سلسلة الجبال الشرقية والغربية، مثلما سقط الفلسطينيّون في تجربة الجبل نفسه الذي انتصر فيه المسيح على إبليس قرب مدينة «أريحا».
قبل أن يسقط اللبنانيّون في التجارب كانوا يصومون معاً من أجل لبنان، ويأكلون معاً من خبزه قبل أن يتسلّلَ الضيوف إلى مائدتهم من غير دعوة رسمية، وقبل أن يُسرّبَ التفاحُ الأحمر إلى طاولتهم لتهمس الأفعى في إذن حواء وتحرِّضُها على اشتهاء الحرام.
أنْ يكون الصيامُ وسيلة للتضرُّع أمام الله من أجل مكسبٍ أو مربحٍ أو مغنمٍ أو نزعةٍ للتسلّط في هوى النفس، فهذا شكلٌ من الكفر ونوعٌ من رشوة الله.
وإذا لمْ نلتقِ مع الرسالات السماوية، ومع المسيح والنبي حول جوهر الصوم الروحي بما هو تطهيرٌ للنفوسِ من أرجاسها، وتمرٌّد للنفوس على الشرير، فعَبثاً يمارس الإنسانُ فريضَة الصوم، بحيث تكون إذ ذاك كمثل من يتذاكى على إلهِ الإنجيل وإلهِ القرآن.
1- سورة مريم القرآنية: 26.




