
حلّ قرار مجلس الوزراء الضريبي الأخير “في ليلةٍ ظلماء، خارج أي رؤية إصلاحية واضحة أو إطار للمالية العامة على المدى المتوسّط… فزاد 800 مليون دولار على نفقات المالية العامة في موازنة أقرّها مجلس النواب أساساً، على أن يتم تمويلها عبر رفع نسبة الـTVA من 11% إلى 12% وفرض رسم على البنزين بقيمة 300 ألف ليرة، محمِّلاً المواطنين أعباءً إضافية بدل معالجة الخلل البنيوي في المالية العامة” بحسب كبير الاقتصاديين في بنك بيبلوس الدكتور نسيب غبريل في حديث لـ”المركزية”.
ويعزّز قراءته هذه، بالتأكيد على أن “القرار لا يعكس انضباطاً في المالية العامة وإدارة المال العام. فيما كان يجب أن تكون مقاربة الحكومة لملف مطالب العاملين في القطاع العام، مختلفة جذرياً… على رغم أحقية المطالب لا سيما المتعلقة بالمتقاعدين!” على حدّ تعبيره. إذ يشدّد على أن “الحقوق المكتسبة للمتقاعدين العسكريين ليست موضع جدل أو نقاش، ولا حتى تحسين أوضاع العاملين في القطاع العام، بل القرار الذي اتخذته الحكومة والآلية المتّبعة لتطبيقه… هنا بيت القصيد”، معتبراً أن القرار “سيزيد من الضغوط الاجتماعية على المواطنين الذين كانوا يعوّلون على الحكومة التخفيف منها!”.
ويسأل “لماذا لم تُدخل الحكومة هذه التعديلات الضريبية في صلب الموازنة عند مناقشتها ودرسها في مجلس الوزراء، وكذلك في مجلس النواب؟! ليصدر هذا القرار على “حين غفلة” فيزيد ما قيمته 800 مليون دولار على نفقات المالية العامة من دون معرفة مدى إخضاع هذا القرار لدراسة ممحَّصة وتحديداً كلفة زيادة الـ6 رواتب للقطاع العام! الأمر ذاته بالنسبة إلى الإيرادات التي مُرّرت على متن القرار، والتي قُدّرت بـ620 مليون دولار… هل الحكومة متأكدة من تحصيل إيرادات بهذا الحجم؟ فيما يعتريني الشك في ذلك! مع التوقف عند قولها “إن القيمة الباقية من الكلفة سيتم تقييم مصادر تمويلها لاحقاً!”، ليخلص هنا إلى القول “بصراحة إن طريقة التعاطي مع هذا الموضوع، لا توحي بالثقة”.
…”هذا الواقع يذكّرني بسلسلة الرتب والرواتب… فالتاريخ يُعيد نفسه” يقول غبريل، أقرّت السلسلة في أواخر العام 2017 وسوّقت الحكومة آنذاك أن كلفتها لا تتخطى 800 مليون دولار، علماً أنها كانت تعلم في قرارة نفسها أن كلفتها تفوق هذا الرقم! كما أن الحاجة إلى تمويلها دفعت إلى فرض ضرائب عديدة على اعتبار أن إيراداتها كفيلة بتمويل كلفة السلسلة لا بل تتخطاها… لكن ما تبيّن لاحقاً، أن الكلفة تخطّت القيمة المحدّدة بثلاثة أضعاف! كما أن الإيرادات الضريبية لم تتحسّن نسبةً إلى الناتج المحلي! فكانت نتيجة هذه المقاربة الخاطئة والمتسرّعة: ارتفاع في عجز الموازنة عام 2017 من 3 مليارات دولار إلى 5 مليارات و800 مليون دولار عام 2018… إضافة إلى ارتفاع الدين العام وغيره من التداعيات السلبية.
ولم يغفل التنبيه “مع احترامي للجميع” إلى أن “موازنة العام 2026 ستسجّل عجزاً لا محالة! إذ لا تقديرات الإيرادات الضريبية مُقنِعة، ولا زيادة الـ800 مليون دولار على رواتب القطاع العام ستبقى عند هذا الحدّ انطلاقاً مما أظهرته التجارب السابقة! للأسف”.
ويعقّب سائلاً “هل ذلك سيؤدّي إلى التوصّل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي؟!”، “إنني أرى ذلك بعيداً جداً” مُجيباً.




