سلايدات

الفاتيكان يُحذّر من مخاطر التهجير… وينشط ديبلوماسياً لوقف التصعيد

في صحيفة الديار:

مع تصاعد التوترات العسكرية على الحدود الجنوبية للبنان، برزت مخاوف متزايدة من إفراغ القرى المسيحية الحدودية، التي كانت قد طالبت سابقاً بتحييدها عن الحرب. وتضاعف القلق في صفوف الأهالي، بعد استشهاد كاهن رعية القليعة الأب بيار الراعي وابن علما الشعب سامي الغفري، نتيجة القصف “الإسرائيلي” الذي طال البلدتين يوم الإثنين، قبل أن يُطلب من سكان علما الشعب إخلاء البلدة، وهو ما نُفّذ صباح الثلاثاء مع نزوح 83 شخصاً كانوا صامدين في البلدة.

هذا التطوّر الخطير عزّز المخاوف في القرى المجاورة، ودفع لبنان إلى طلب وساطة الفاتيكان لحماية القرى المسيحية. وفي خضمّ هذه الظروف القاسية، يحرص الفاتيكان على التأكيد مجدداً أنّ لبنان ليس بلداً متروكاً لمصيره، على ما توكّد مصادر كنسية مطلعة، وأنّ قراه الحدودية رغم صغرها الجغرافي، تحتلّ مكانة خاصة في وجدان الكنيسة الكاثوليكية. فمنذ عقود ينظر الكرسي الرسولي إلى لبنان، بوصفه رسالة عيشٍ مشترك في الشرق، وهو ما شدّد عليه مراراً البابا يوحنا بولس الثاني، عندما وصفه بأنّه «أكثر من وطن، إنّه رسالة».

دوائر الفاتيكان تتابع التطوّرات بقلق واضح، وفق المصادر الكنسية انطلاقاً من اهتمام البابا لاوون الرابع عشر بلبنان وإعجابه بحيوية الشعب اللبناني، وتُولي اهتماماً خاصاً لما يجري في القرى المسيحية الحدودية ، نظراً لما تمثّله من حضور تاريخي للمسيحيين على الحدود الجنوبية.

ومن هذا المنطلق، تأتي الزيارة المرتقبة التي سيقوم بها السفير البابوي في لبنان باولو بورجيا، بناء على طلب من البابا لاوون الرابع عشر يوم الجمعة المقبل، إلى عدد من القرى المسيحية الحدودية، يرافقه خلالها وفد من “الرابطة المارونية”. وتعكس هذه الزيارة رسالة تضامن واضحة: أنّ الكنيسة لن تترك أبناء هذه القرى وحدهم في لحظة القلق والتهديد. وسيحرص بورجيا خلال جولته على لقاء الأهالي والكهنة والفاعليات المحلية، ناقلاً إليهم دعم الكرسي الرسولي، وتشجيعه على التمسّك بالأرض والصمود فيها، في وجه محاولات فرض واقع أمني قد يدفع السكّان إلى النزوح القسري. فبالنسبة إلى الفاتيكان، لا يُقاس حضور المسيحيين في الشرق بالأرقام فحسب، بل بقدرتهم على البقاء في أرضهم، كشهودٍ على تاريخٍ وهويةٍ ورسالة.

ويعيش أهالي القرى المسيحية التي تقف اليوم على تماس مباشر مع التهديدات “الإسرائيلية”، الخشية من التهجير، وهي: علما الشعب، القليعة، رميش، عين إبل، دبل، راشيا الفخار، برج الملوك، جديدة مرجعيون، دير ميماس، القوزح، كوكبا، إبل السقي، البويضة وأبو قمحة. وتشير المعلومات إلى أن عدداً كبيراً من السكّان يفضّلون البقاء في منازلهم رغم المخاطر الأمنية، خوفاً من أن يؤدي النزوح إلى خسارة الأرض أو صعوبة العودة إليها لاحقاً.

موقف الفاتيكان من مسألة الإخلاء يبقى حذراً، على ما تلفت المصادر، إذ إنّه لا يصدر تعليمات للمدنيين بمغادرة منازلهم أو البقاء في مناطق قد تتحوّل إلى ساحات قتال، بل يترك القرار النهائي للأهالي أنفسهم وفق تقديرهم للمخاطر، مع التشديد على أنّ حماية الأرواح تبقى في المرتبة الأولى.

وفي موازاة ذلك، يقوم الفاتيكان بنشاط ديبلوماسي صامت على ما تكشف المصادر الكنسية عبر سفارته في بيروت، ويجري اتصالات مع دول أوروبية مؤثرة مثل فرنسا وإيطاليا وألمانيا. وتشمل هذه الجهود اتصالات غير معلنة ، تهدف إلى تخفيف التصعيد وحماية المسيحيين. كما تقوم السفارة البابوية بجمع معلومات دقيقة عن الوضع الميداني، لا سيما ما يتعلّق بالنزوح وحالة المدنيين، وترفعها مباشرة إلى الفاتيكان. كذلك تنشط المؤسسات الإنسانية المرتبطة بالكنيسة، لتقديم الدعم للعائلات التي تضطر إلى النزوح.

وتعبّر دوائر الفاتيكان عن خشية عميقة من أن يتحوّل النزوح المؤقّت إلى هجرة دائمة، كما حصل في مناطق أخرى من الشرق الأوسط خلال العقدين الماضيين. لذلك تنظر بحذر شديد إلى أي عملية تفريغ سكاني في القرى الحدودية، وتضع في صلب اهتمامها منع أن تتحوّل الحرب الحالية، إلى عامل إضافي يهدّد الوجود المسيحي التاريخي في المنطقة.

وفي وقت تتكاثر فيه المخاوف من إفراغ القرى الحدودية من أهلها، تبدو رسالة الفاتيكان واضحة: قد تكون الحدود ملتهبة، لكنّ لبنان، وقراه الجنوبية تحديداً، لا يزالان حاضرين في قلب الكنيسة واهتمامها. والصمود في الأرض، بالنسبة إلى أبنائها، ليس خياراً جغرافياً فقط، بل فعل إيمان أيضاً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى