سلايداتمقالات

حربٌ أبعد من حدود إيران

كتب وليد اللبيان:

 

تُعدّ الحرب الحالية أبعد ما يكون عن عملية عسكرية تهدف لإزالة التهديد الإيراني في الشرق الأوسط، حماية إسرائيل، أو خطوة متقدمة في محاصرة الصين. 

بالنسبة الى الإدارة الأميركية، تُعتبر إيران ساحة مناسبة للإعلان عن بداية إصلاح النظام العالمي الحالي بالاستناد إلى القوة، والمصالح المشتركة، ووقف استغلال الولايات المتحدة كداعم مالي وعسكري وسياسي في مشاريع لا تُمثل توجهها.
في تحليلٍ لاستراتيجية الأمن القومي الحالية وأداء الرئيس دونالد ترامب ووزير حربه بيت هيغسث، نرى أن الهدف الأساسي هو استعمال القوة العسكرية الأميركية في سبيل إعادة إرساء التوازن وفرض الهيبة الأميركية مجددًا. الذي اختلف عن الإدارات السابقة هو استعداد ترامب لاستغلال جميع الامتيازات الأميركية لتطبيق سياسته التي تضع مصالح بلده فوق كل اعتبار. عند إطلاق العملية العسكرية، سقطت فورًا ثلاث ضحايا، وهي: القانون الدولي، والسياسات المُعدّة لاستغلال مفهوم ميزان القوى، والاستراتيجيات الأميركية السابقة التي تميّزت بإتساع أهدافها.
إن سقوط القانون الدولي أتى بعد أن أصبح أداةً تستعملها الدول المصدّرة والداعمة للإرهاب للالتفاف على مقررات مجلس الأمن الدولي. فبالاستناد إلى هذا القانون، عوقبت إيران ومُنعت من تصدير نفطها، لكن وبطرق غير شرعية وبأسعار مُخفضة، تمكنت من إبرام اتفاقيات مع الصين لتكون المستورد الأساسي مقابل استثمارات في الداخل الإيراني. أما الضحية الثانية، فسقطت فورًا بعد، أولًا، نجاح التنسيق الأميركي الإسرائيلي والأميركي الخليجي، وثانيًا عبر القدرة على السيطرة البحرية ونقل واستخدام حاملات الطائرات والمدمرات الأميركية بأريحية تامة. فهذه القدرة لا تمتلكها أي من الدول الطامحة لمنافسة الولايات المتحدة. أما أهداف العملية العسكرية فكانت واضحة ووُصفت بالمركّزة، مثل تدمير الصواريخ الباليستية، والمسيّرات، والقدرات البحرية، وكل الأصول اللوجستية التي تساهم في تشغيلها، إضافة إلى منع إيران من امتلاك قنبلة نووية. أما العمليات السابقة فكانت تمتاز باجتياح بري، والعمل على تغيير الأنظمة وإرساء الديمقراطية.

إن القدرة الأميركية على الانتشار العسكري في مختلف أنحاء العالم في آنٍ واحدٍ، إضافةً إلى النوايا الفعلية في استخدام القوة وليس التهديد بها، فرضت واقعًا جديدًا في الساحة السياسية الدولية. فالصين اليوم بدأت تشعر بالضغط الأميركي ومحاصرة مصادر الطاقة، إضافة إلى ضرب حلفائها، بدايةً من فنزويلا والآن إيران، وقريبًا جدًا كوبا التي طالب رئيسها أخيراً بعقد مفاوضات مع الولايات المتحدة الأميركية تجنبًا لمصير مشابه ربما لمادورو. فالامتيازات التي كانت تحصل عليها من دول العالم في ظل غياب سياسة خارجية أميركية قوية في عهد بايدن تتبخر الآن. فكل الدول اليوم، وبعد الإجراءات الضريبية إضافة إلى العمل العسكري، قد أصبحت على يقين أن ترامب أصبح الآمر الناهي، ويجب ملاقاته في منتصف الطريق.

هذه التطورات وضعت حلفاء أميركا، خصوصاً الأوروبيين، أمام واقع جديد سينعكس بشكل مباشر على رسم السياستين الخارجية والدفاعية. فالذي يحصل هو أكبر برهان على أن كل ما عهدناه سابقًا من إرسال الصناعات الكبرى إلى الصين، والاتكال على الحماية العسكرية الأميركية، واستقبال اللاجئين للتكفير عن ذنوب فترة الاستعمار، أصبح بحكم الملغى، وأن العلاقات الدولية ستُبنى على مصلحة الدولة، مع ما تمثله من تاريخ وحضارة أولًا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى