سلايدات

سابقة الجولان: هل نشهد «جَوْلَنَة» جنوب الليطاني؟

وفقًا لمقال نُشر مؤخرًا في صحيفة لوريان-لو جور، قد يشهد جنوب نهر الليطاني، على المدى البعيد، مصيرًا شبيهًا بمصير هضبة الجولان. قد تبدو هذه الفرضية مبالغًا فيها للوهلة الأولى. غير أنّ وضع الحالة الراهنة ضمن إطار تاريخي وجيوسياسي أوسع يدفع إلى طرح السؤال بجدية: ماذا ربح لبنان فعليًا من هذه الحرب؟ والأهم من ذلك، هل نشهد ولادة أمرٍ واقعٍ إقليمي جديد قد يستمر لعقود؟

لفهم خطورة هذا التساؤل، لا بد من العودة إلى واحدة من أكثر السوابق دلالة في تاريخ الشرق الأوسط المعاصر: ضمّ الجولان. فهذه الهضبة الاستراتيجية، التي كانت تابعة لسوريا منذ الاستقلال، احتلتها إسرائيل خلال حرب الأيام الستة في حزيران 1967. وخلال أيام قليلة، استولى الجيش الإسرائيلي على هذا الموقع الاستراتيجيّ الذي يطل على الجليل ويتحكم بموارد مائية أساسية، ولا سيما روافد نهر الأردن. ومنذ ذلك الحين، تحوّل ملف الجولان إلى قضية مركزية في الصراع العربي-الإسرائيلي.

على مدى أكثر من عقد، اعتبر المجتمع الدولي رسميًا هذا الاحتلال مؤقتًا بانتظار تسوية شاملة. لكن في كانون الأول 1981، أقرّ الكنيست ما أسماه بـ«قانون ‘مرتفعات’ الجولان»، وهو قانون وسّع الولاية القضائية والإداريّة الإسرائيلية لتشمل الهضبة المحتلة. لم يكن ذلك ضمًا مُعلنًا بالمعنى القانوني التقليدي للكلمة، بل كان توسيعًا للسيادة بحكم الأمر الواقع. وقد جاء الرد الدولي سريعًا، إذ أصدر مجلس الأمن القرار 497 الذي أعلن أن هذا الإجراء «باطل ولاغٍ ولا أثر قانونيًا دوليًا له». ومع ذلك، وبعد أكثر من أربعين عامًا، لا تزال هضبة الجولان تحت السيطرة الإسرائيلية، وقد ترسّخ الواقع الإقليمي تدريجيًا.

تكشف قصة هذا الضمّ عن ثابتٍ في الجيوبوليتيك: التحولات الإقليمية الكبرى نادرًا ما تحدث في لحظة يكون فيها انتباه العالم مركّزًا بالكامل. بل غالبًا ما تقع عندما تكون الأنظار الدولية متجهة إلى مكان آخر. ففي مطلع ثمانينيات القرن الماضي، كانت الساحة الدولية مشغولة بأزمات كبرى. ففي عام 1982، اندلعت حرب الفوكلاند – أو جزر المالوين – بين الأرجنتين والمملكة المتحدة بقيادة مارغريت تاتشر، واستحوذت على اهتمام الإعلام والدبلوماسية في العالم. وفي ظل هذا الانشغال الدولي بأزمات أخرى، تراجع ملف الجولان إلى المرتبة الثانية. وبقيت الإدانة الدولية رمزية، فيما ترسّخ الواقع القائم تدريجيًا.

هذه الآلية ليست حكرًا على الجولان. فالتاريخ مليء بأمثلة سمحت فيها أزمة دولية أكثر دراماتيكية أو صراعٌ جانبي لبعض الأطراف بفرض وقائع إقليمية دائمة. فالجغرافيا السياسية تعمل كثيرًا وفق ما يمكن تسميته «لحظات التشتيت الاستراتيجي»: عندما ينصرف انتباه العالم إلى مكان آخر، تتجمّد بعض الملفات وتصبح غير قابلة للعكس.

وهذا تحديدًا هو التشبيه الذي يثير القلق اليوم في لبنان. فالاهتمام الدولي يتركز حاليًا على مواجهة إقليمية غير مسبوقة حجمًا ونوعًا، تشمل إيران والولايات المتحدة الأميركيّة وعدة قوى إقليمية. وتتجاوز هذه المواجهة الإطار اللبناني بكثير، إذ تمسّ التوازن الاستراتيجي في الشرق الأوسط وأمن طرق الطاقة والأسواق العالمية للنفط والغاز. وفي مثل هذا السياق، يبدو لبنان ساحة ثانوية، جبهة من بين جبهات عدة في مواجهة أوسع بكثير.

غير أن تاريخ جنوب لبنان نفسه محفور بمنطق المناطق العازلة. ففي عام 1978، هدفت العملية العسكرية الإسرائيلية «الليطاني» إلى دفع المجموعات الفلسطينية المسلحة إلى شمال النهر. وفي عام 1982، قاد الاجتياح الإسرائيلي إلى احتلال أعمق بكثير للأراضي اللبنانية، إذ تجاوزت الدبابات الإسرائيلية كامل الجنوب، ووصلت إلى العاصمة، وإلى حمّانا شرقًا، وإلى عمشيت شمالًا.

وعلى مدى ما يقارب عقدين من الزمن، وحتى الانسحاب الإسرائيلي عام 2000، أُقيمت «منطقة أمنية» في جنوب البلاد أُديرت من جيش لبنان الجنوبي، وبرّرت بضرورة حماية الكيبوتسات في شمال إسرائيل. وقد قُدمت هذه المنطقة العازلة على أنها إجراء دفاعي إسرائيليّ مؤقت، لكنها استمرت أكثر من خمسة عشر عامًا، لتصبح واقعًا إقليميًا ثابتا حتى الانسحاب الأحادي الذي قرره إيهود باراك.

تُذكّر هذه السوابق بأن نهر الليطاني شكّل لفترة طويلة، في العقيدة العسكرية الإسرائيلية، خطًا جغرافيًا استراتيجيًا. فالسعي إلى السيطرة على المساحة الواقعة جنوب هذا النهر أو تحييدها كان يُنظر إليه نظريًا كوسيلة لإبعاد التهديد عن الجليل والبلدات الشمالية في إسرائيل. ولم تتحول هذه الرؤية يومًا إلى سياسة رسمية دائمة، لكنها عادت للظهور مرارًا في النقاشات الأمنية الإسرائيلية، وربما أكثر من أي وقت مضى اليوم، في ظل حضور قوى سياسية قومية ودينية يهوديّة مؤثرة داخل الحكومة الإسرائيلية.

وهكذا، فإن السؤال المطروح اليوم ذو طبيعة استراتيجية عميقة: هل يمكن للأحداث الأخيرة أن تنتج واقعًا إقليميًا دائمًا جديدًا جنوب الليطاني؟ إن تاريخ الجولان يعلّمنا أن الأمر الواقع قد يتحول مع مرور الزمن إلى طبيعة جيوسياسية جديدة. فما يبدأ كتدبير عسكري مؤقت قد يتحول، مع مرور السنوات، إلى وضع شبه لا رجعة فيه.

في هذا السياق، يعود السؤال الأول بإلحاح: ماذا ربح لبنان فعليًا من هذه الحرب؟ فالدمار والخسائر البشرية ونزوح السكان تمثل مآسي فورية وواضحة. أما الخسائر الاقتصادية فهي أيضًا هائلة ولا يمكن احتمالها بالنسبة لما تبقى من المؤسسات اللبنانية التي تصارع أصلًا للبقاء بعد سنوات طويلة ومُنهكة من الأزمة. غير أن التداعيات الإقليمية والاستراتيجية غالبًا ما تُقاس بعقود لا بسنوات.

تذكّرنا سابقة الجولان بحقيقة بسيطة لكنها مزعجة: في النزاعات الطويلة، لا يكفي الانتصار الرمزي دائمًا لمنع ترسيخ نظام إقليمي جديد. فخرائط الشرق الأوسط لا تتغير فقط عبر معاهدات السلام؛ بل تتبدل أيضًا بفعل الزمن، وبفعل النسيان التدريجي لبعض الأزمات، وبفعل ترسخ وقائع جديدة بصمت.

وهناك أمثلة أخرى تعكس هذا المنطق نفسه القائم على فرض الأمر الواقع الإسرائيلي بشكل تدريجي. فالضفة الغربية، التي احتلتها إسرائيل منذ حرب 1967، كان يفترض أن تكون موضع تسوية تفاوضية ضمن مبدأ «الأرض مقابل السلام». غير أن إقامة المستوطنات والتفكك الإقليمي على مدى العقود غيّرا عميقًا الواقع على الأرض. وهنا أيضًا، تحوّل ما كان يفترض أن يكون مؤقتًا إلى حالة طويلة الأمد.

ولا يعني هذا القول إن جنوب الليطاني سيصبح غدًا جولانًا جديدًا. فالتاريخ لا يكرر نفسه ميكانيكيًا. غير أن تجاهل السوابق التاريخية سيكون خطأً استراتيجيًا فادحًا. فالجغرافيا السياسية علمٌ للذاكرة؛ إذ تستند إلى دروس الماضي لفهم مخاطر الحاضر.

وربما لا يكمن السؤال الحقيقي في معرفة ما إذا كانت «جَوْلَنَةُ» جنوب الليطاني قد بدأت بالفعل. بل لعل السؤال الأهم هو ما إذا كان لبنان يمتلك اليوم الوسائل السياسية والدبلوماسية والاستراتيجية التي تمكنه من منع تحوّل مثل هذا السيناريو إلى واقع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى