
كتبت جوزفين ديب في أساس ميديا:
في توقيتٍ دقيق تَقدَّم فيه الملفّ اللبنانيّ إلى واجهة مجلس الأمن، جاءت رسالة وزارة الخارجيّة اللبنانيّة إلى الأمانة العامّة للأمم المتّحدة ومجلس الأمن، عبر بعثتها الدائمة في نيويورك، لتضيف قطبة جديدة من التعقيد إلى المشهد. الرسالة، التي تُحمّل “الجناح العسكريّ للحزب” مسؤوليّة الحرب وتضعه خارج إطار الشرعيّة استناداً إلى قرارات حكوميّة ترافقت مع جلسة مشحونة على خلفيّة مقتل جنديّ من الكتيبة الإندونيسيّة العاملة ضمن قوّات “اليونيفيل”، وما رافق ذلك من توتّر متصاعد في الجنوب.
تشير الوقائع، كما عُرضت، إلى مسارين متوازيَين: مسار ميدانيّ يتّصل بالتصعيد على الأرض واستهداف قوّات حفظ السلام، ومسار دبلوماسيّ يحاول إعادة تعريف موقع الدولة اللبنانيّة من هذا التصعيد، عبر مخاطبة الأمم المتّحدة بلغة قانونيّة – سياسيّة دقيقة، من دون الذهاب صراحةً إلى طلب إجراءات قسريّة.
في مضمون الرسالة، أبلغ لبنان الأمم المتّحدة تصنيفه للجناح العسكريّ في “الحزب” كياناً خارجاً عن القانون، مستنداً إلى قرارات مجلس الوزراء الأخيرة. تحمل هذه الصياغة، وإن خلت من توصيف “الإرهاب”، في طيّاتها إشارات سياسيّة واضحة لناحية رفع الغطاء الرسميّ عن هذا الجناح، وتقديمه كفاعل خارج الشرعيّة الوطنيّة. هذه الخطوة تُقرأ في الأوساط الدبلوماسيّة كجزء من مسار تراكميّ، أكثر منه إجراءً مكتمل الأركان بحدّ ذاته.
في موازاة ذلك، أنهى مندوب لبنان كلمته في مجلس الأمن بالدعوة إلى مساعدة دوليّة لإرساء السلم والأمن، مع التشديد على ضرورة احترام إيران لسيادة لبنان ووقف تدخّلها. يضع هذا الخطاب لبنان في موقع الدولة التي تطلب الدعم، من دون أن يطلب صراحةً تدخّلاً تحت الفصل السابع، لكنّه يفتح الباب أمام تفسيرات متعدّدة لحدود هذا “الدعم” وسقوفه.
أبلغ لبنان الأمم المتّحدة تصنيفه للجناح العسكريّ في “الحزب” كياناً خارجاً عن القانون، مستنداً إلى قرارات مجلس الوزراء الأخيرة
آليّات مجلس الأمن
مع ذلك، تبقى القراءة القانونيّة لمسار كهذا أكثر تعقيداً من السرديّة السياسيّة المتداوَلة. لا يستقيم تلقائيّاً التلويح بإمكانيّة الانزلاق نحو الفصل السابع مع إرسال رسالة أو اعتماد توصيف داخليّ. إذ تخضع آليّات مجلس الأمن لمسار إجرائيّ دقيق، يبدأ بالمادّة 39 من ميثاق الأمم المتّحدة، ويتطلّب الأمر توافقاً على توصيف الحالة: هل هي تهديد للسلم أم نزاع داخليّ أم مقاومة لاحتلال؟ وهو توصيف لا يُحسم بقرار أحاديّ، بل بتوازنات بين الدول الخمس الدائمة العضويّة، ومصالحها المتقاطعة.
لا يتمّ إدراج أيّ كيان على لائحة الإرهاب الأمميّة عبر مراسلة دبلوماسيّة، بل يحتاج إلى قرار صادر عن مجلس الأمن ضمن منظومة عقوبات محدّدة، وغالباً ما يكون نتيجة مسار طويل من التفاوض والتسويات. حتّى في هذه الحالة، يبقى خاضعاً لمعايير قانونيّة وسياسيّة، أبرزها عدم الإخلال بالمبادئ الآمرة في القانون الدوليّ.
أمّا الحديث عن “وصاية دوليّة” فيفتقر بدوره إلى الأساس القانونيّ في الحالة اللبنانيّة. لبنان، الدولة العضو في الأمم المتّحدة، يتمتّع بمبدأ المساواة في السيادة، ولا يجيز الميثاق فرض وصاية عليه بالمعنى المتداوَل سياسيّاً، خارج الأطر المحدّدة تاريخيّاً لحالات إنهاء الاستعمار أو بناء الدول.
في المحصّلة، تبدو الرسالة اللبنانيّة أقرب إلى تموضع سياسيّ – دبلوماسيّ في لحظة إقليميّة حسّاسة منها إلى خطوة قانونيّة مكتملة تقود بذاتها إلى إجراءات دوليّة قسريّة. هي إشارة موجّهة إلى المجتمع الدوليّ أكثر ممّا هي طلب رسميّ لتفعيل آليّات الفصل السابع.
أمّا كلّ ما يُبنى عليها من سيناريوات تصعيديّة، من تصنيف أمميّ إلى ملاحقات دوليّة، فلا يزال، حتّى الآن، ضمن دائرة التداول السياسيّ الداخليّ أكثر منه واقعاً قابلاً للصرف في أروقة الأمم المتّحدة، حيث تُكتب القرارات بلغة التوازنات لا النوايا.




