سلايدات

نوّاف سلام واختبار الدّولة

كتب أيمن جزيني في أساس ميديا:

في لحظةٍ لبنانيّة مأزومة إلى حدّ الانكشاف، لا يعود السؤال من يحكم، بل كيف يحكم، ولا حتّى بأيّ برنامج، بل بأيّ منطق. هنا تحديداً، يبرز اسم نوّاف سلام بوصفه أكثر من رئيس حكومة عابر في نظام مأزوم. هو يبرز كاختبار بنيويّ لفكرة الدولة نفسها، في بلدٍ طالما عاش على تخومها من دون أن يستقرّ فيها.

 

الهجمة السياسيّة التي يتعرّض لها رئيس مجلس الوزراء الحاليّ، والاحتجاجات التي تتكثّف في وجهه، من جانب بنية “الحزب”، لا يمكن قراءتها كخلاف سياسيّ عاديّ. ما يجري أعمق من ذلك بكثير: إنّه صدام بين نموذجين متناقضين للسلطة، بين دولة تريد أن تحتكر القرار، ومنظومة اعتادت أن تتقاسم هذا القرار وتُفرغه من معناه.

رجل من خارج البنية

منذ الاستقلال، أنتج لبنان نمطاً خاصّاً من القادة: زعماء طوائف، ورثة عائلات، أو رجال شبكات ماليّة ـ سياسيّة. في كلّ الحالات، كانت الشرعيّة تُبنى من الأسفل إلى الأعلى: من الجماعة إلى الدولة، لا العكس.

لكنّ نوّاف سلام كسر هذه القاعدة، فهو لا يستند إلى عصبيّة طائفيّة صلبة، ولا إلى تاريخ ميليشيويّ. تشكّل مساره في فضاء مختلف: القانون الدوليّ، القضاء، الدبلوماسيّة، والمؤسّسات المتعدّدة الأطراف. هذا ليس تفصيلاً، فخلفيّة الرجل المهنيّة ليست سيرة ذاتيّة وحسب، بل مؤشّر إلى نوع الدولة التي يتخيّلها.

سلام لا “يتخيّل” الدولة كأداة توزيع، بل كمرجعيّة عليا. لا يراها وسيطاً بين القوى، بل سلطة فوقها. تتحوّل في لبنان هذه الفكرة، التي تبدو بديهيّة في الدول المستقرّة والحديثة، إلى مشروع صداميّ. لفهم التهجّم على رئيس مجلس الوزراء، لا بدّ من فهم لبنان نفسه، لا بما هو دولة فاشلة فقط، بل نظام ناجح في منع قيام الدولة.

ليست الطائفيّة في لبنان انقساماً هويّاتيّاً، بل نظام إنتاج سلطة. لا يمثّل الزعيم طائفته فحسب، بل يحتكر تمثيلها، ويحوّلها إلى غرفة سياسيّة مغلقة. في هذه  الغرفة، تُستبدل الحقوق بالخدمات، والمواطنة بالولاء، والقانون بالتسوية. من هنا، لا يُستهدف نوّاف سلام لأنّه “فشل”، بل لأنّه يحمل منطقاً مختلفاً للنجاح. نجاحه لا يُقاس بقدرته على إرضاء الزعماء، بل بقدرته على تقليص دورهم. هذه معادلة لا يمكن أن تمرّ في لبنان من دون مقاومة.

في لحظةٍ لبنانيّة مأزومة إلى حدّ الانكشاف، لا يعود السؤال من يحكم، بل كيف يحكم، ولا حتّى بأيّ برنامج، بل بأيّ منطق

ازدواجيّة السّلطة وحدود السّيادة

منذ نهاية الحرب الأهليّة، عاش لبنان في ظلّ ازدواجيّة مزمنة: دولة رسميّة، وسلطات فعليّة موازية. لم تكن هذه الازدواجيّة دائماً صداميّة، بل غالباً ما أُديرت عبر تسويات ضمنيّة. لكنّها في الجوهر كانت تعني شيئاً واحداً: أنّ الدولة لا تحتكر القرار.

في هذا السياق، يطرح نوّاف سلام مسألة شديدة الحساسيّة: من يملك حقّ التفاوض باسم لبنان؟ من يقرّر الحرب والسلم في البلد؟ من يحدّد الأولويّات الوطنيّة؟ ليست هذه الأسئلة تقنيّة، بل سياديّة بامتياز تمسّ مباشرة بنية القوى التي بنت نفوذها على تجاوز الدولة، لا العمل من داخلها. لذلك أيّ محاولة لإعادة هذه الصلاحيّات إلى المؤسّسات تُقرأ كاستهداف.

هنا تحديداً، يتقاطع المسار السياسيّ مع بنية “الحزب”، الذي يمثّل الشكل الأكثر اكتمالاً لفكرة “السلطة خارج الدولة”. لا ينافس “الحزب” الدولة فقط، بل يعيد تعريفها: دولة لا تُقيّد وجوده بل تُشرعنه.

الشّارع أداة ضبط سياسيّ

ليس الاحتجاج في لبنان جديداً. لكنّ وظيفته تغيّرت. لم يعُد فقط تعبيراً عن غضب اجتماعيّ، بل أصبح أداة ضمن توازنات السلطة. يُستدعى حين يلزم، ويُضبط حين يجب. في مواجهة نوّاف سلام، يظهر الشارع كوسيلة ضغط لإعادة رسم الحدود: تذكير بأنّ أيّ قرار لا يمرّ عبر القوى التقليديّة يمكن تعطيله، والقوى التقليديّة راهناً هي “الحزب”.

هذا بالتحديد ما يحصل منذ وصل الرجل إلى رئاسة الحكومة، وعمل على تأكيد وجود الدولة وصولاً إلى تأكيده أنّ الدولة وحدها هي المُخوّلة التفاوض باسم لبنان. المفارقة أنّ نوّاف سلام، بخلفيّته القانونيّة، يرفض الانجرار إلى مسرح “القوى الموازية” للدولة. لا يحشد شارعاً مضادّاً، ولا يستثمر في الانقسام. يتمسّك بإطار المؤسّسات، حتّى وهو يعلم أنّ خصومه لا يفعلون الشيء نفسه.

قد يبدو ذلك ضعفاً في ميزان القوى، لكنّه في الحقيقة خيار استراتيجيّ: رفض تحويل الدولة إلى طرف في صراع الشوارع لأنّ اللحظة التي تدخل فيها الدولة هذا الصراع تفقد ما بقي من حيادها، وللبنان سيرة طويلة مع هذه الصراعات.

لا يملك نوّاف سلام ترف المثاليّة الكاملة، ولا يستطيع تجاهل موازين القوى. لكنّه، في الوقت نفسه، يرفض أن يكون مديراً للأزمة وحسب

تفكيك اقتصاد الولاء

النظام اللبنانيّ قائم على ما يمكن تسميته “اقتصاد الولاء”: شبكة من المنافع والخدمات التي يوزّعها الزعيم مقابل الدعم السياسيّ. لا يحتاج هذا الاقتصاد إلى دولة قويّة، بل إلى دولة ضعيفة يمكن الالتفاف عليها. ليس الإصلاح، في هذا السياق، إجراء تقنيّاً، بل تهديد مباشر لمصادر النفوذ.

حين يتحدّث نوّاف سلام عن القانون والمؤسّسات، لا يقدّم خطاباً أخلاقيّاً فقط، بل يضرب في عمق هذا الاقتصاد لأنّ الدولة القويّة تعني نهاية الوسيط ونهاية الامتياز. هنا يكمن أحد أسباب العداء له: ليس لأنّ مشروعه غير واقعيّ، بل لأنّه واقعي أكثر ممّا ينبغي، واقعيّ إلى حدّ أنّه يهدّد مصالح ملموسة، وهي بالتعريف: لبنان ساحة من ساحات إيران، وهذا بالضبط ما لا يروق لـ “الحزب” وبيئته.

يتّخذ جزء كبير من الهجوم على نوّاف سلام شكل التشكُّك في وطنيّته، أو في موقعه من القضايا الإقليميّة، وفي مقدَّمها قضيّة حرب إسرائيل على لبنان. هذه الاستراتيجية ليست جديدة، لكنّها تكشف عن أزمة أعمق في تعريف الوطنيّة، علماً أنّ الدولة لا تُبنى بالشعارات بل بالقرارات، لا بالرمزيّة بل بالسياسات.

حدود القوّة وإمكان الفشل

لا يكتمل الدفاع عن نوّاف سلام من دون الاعتراف بحدود تجربته. يعمل ضمن نظام معقّد وموازين قوى غير متكافئة. تبقى محدودةً قدرته على فرض مشروعه. لكن لا تكمن أهميّة هذه التجربة في نتائجها المباشرة فقط، بل في ما تفتحه من أفق. ذلك أنّ اللحظات التي يظهر فيها “نموذج بديل” تُعتبر لحظات كاشفة: تكشف ما كان يبدو مستحيلاً، حتّى لو لم يتحقّق فوراً.

لا ينبع الخوف من نوّاف سلام من قوّته، بل من نوع هذه القوّة. لا يملك ميليشيا، ولا شارعاً منظّماً، ولا ماكينة انتخابيّة ضخمة. لكنّه يملك ما هو أخطر في سياق لبنان: شرعيّة غير قابلة للمساومة بسهولة.

لا تأتي شرعيّة الرجل من تمثيل جماعة، بل من تمثيل فكرة. هذه الفكرة، فكرة الدولة، هي ما تسعى منظومة “الحزب” إلى تدجينها منذ عقود. لهذا لا يُواجَه نوّاف سلام بالسياسة فقط، بل وبالتشكُّك، وبمحاولات إعادة تعريفه أو احتوائه أو عزله، لأنّ الخطر الحقيقيّ ليس في ما يفعل الآن، بل في ما يمكن أن يمثّله لاحقاً.

بين الواقعيّة والاستسلام

يرى كثيرون في الرهان على نموذج كهذا نوعاً من المثاليّة. يقولون إنّ لبنان لا يُحكَم بالقانون، بل بالتوازنات، وإنّ أيّ محاولة لتجاوز هذه القاعدة محكوم عليها بالفشل. ليس هذا الكلام خطأ تماماً. لكنّه يتحوّل إلى مشكلة حين يصبح ذريعة للاستسلام لأنّ السياسة، في جوهرها، ليست فقط إدارة الواقع، بل أيضاً تغييره.

لا يملك نوّاف سلام ترف المثاليّة الكاملة، ولا يستطيع تجاهل موازين القوى. لكنّه، في الوقت نفسه، يرفض أن يكون مديراً للأزمة وحسب. يحاول، ضمن الممكن، أن يدفع باتّجاه إعادة تعريف هذا الممكن، وهذا بحدّ ذاته فعل سياسيّ.

لا تُختصر تجربة نوّاف سلام بشخصه، ولا حتّى بحكومته. إنّها لحظة اختبار للبنان نفسه: ألا يزال قادراً على إنتاج دولة أم استقرّ نهائيّاً كنظامٍ يدير غيابها؟ إذا نجح هذا النموذج، فلن يغيّر توازنات السلطة فقط، بل سيعيد تعريفها. سيقول إنّ الدولة ممكنة، وإنّ القانون ليس نصّاً، بل أداة حكم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى