
كتبت فاطمة البسام في المدن:
لم تكد الغارات الإسرائيلية تترك للناس متسعاً لالتقاط أنفاسهم أو ترميم ما تبقّى من حياتهم، حتى برز تهديد آخر ينهش ما تبقّى من أرزاقهم. في الضاحية الجنوبية لبيروت، حيث خرج آلاف السكان على عجل من منازلهم تحت وطأة القصف، عادت ظاهرة السرقات إلى الواجهة، متزامنة مع فوضى أمنية و”عدالة شعبية” تجسّدت في مشاهد تعليق لصوص على أعمدة الكهرباء، بعد ضبطهم بالجرم المشهود من السكان.
يوماً بعد يوم، تنتشر مقاطع فيديو تُظهر شباناً يلقون القبض على أشخاص متهمين بسرقة منازل أو دراجات نارية أو حتى سرقة المقابس والكابلات الكهربائية، ويقومون بربطهم وتعليقهم على مداخل الأحياء أو “العواميد” كرسالة ردع. هذه المشاهد، التي تعيد إلى الأذهان ممارسات الحرب السابقة، تعكس حالة انعدام الثقة بقدرة الأجهزة الأمنية على ضبط الوضع، وتُبرز في المقابل لجوء السكان إلى أساليبهم الخاصة، الخارجة عن القانون، لحماية ممتلكاتهم.
لجان أهلية… وحراسة على وقع القلق
في مداخل الأحياء، يجلس شبان مدنيون يراقبون حركة الداخلين والخارجين، متأهبين لأي وجه غير مألوف. بعض هؤلاء ينتمي إلى مجموعات منظمة ترتدي قمصاناً تحمل اسم “حماة الديار”، فيما يكتفي آخرون بمبادرات فردية مدفوعة بالخوف على ما تبقّى من ممتلكاتهم. وبالرغم من هذه الجهود، لا يبدو أنَّ السرقات قد تراجعت بشكل كافٍ، في ظل غياب واضح للدوريات الأمنية الرسمية.
حسن زعيتر، أحد سكان منطقة الليلكي، يرفض مغادرة حيّه رغم التهديدات اليومية. يقول: “أجلس هنا أراقب من يدخل ومن يخرج”، لكنه يقرّ بأن ذلك لم يمنع اللصوص من التسلل إلى البيوت والمحلات. يضيف أن خبرة الحرب السابقة جعلت السكان أكثر وعياً لوجود من يستغل الغارات والفوضى لسرقة ما يمكن حمله، مشيراً إلى أن متجره لقطع السيارات تعرّض للسرقة في الحرب الماضية، وأن بعض الذين أُوقفوا حينها أُطلق سراحهم لاحقاً، وهذا ما يعزز الشكوك بإمكانية تكرار الجرائم.
“خلع الباب… والنية واضحة”
السرقات لا تعد ولا تحصى، وقد وصلت حد سرقة مقابس الكهرباء. ويقول ح. السلمان من منطقة المريجة إنهم سرقوا حتى مراوح المكيف المثبتة على شرفة منزله في الطابق الأول وموتير المياه. ويضيف “بعدها الحرب بأولها، يمكن ما يخلوا شي بالبيوت”.
ووفق لجان الأحياء، الكثير من البيوت خلعت أقفالها بالكامل، مثل المباني في منطقة الصفير، فقام سكانها بوضع أقفال حديدية على أبوابهم. يروي (ح.ب) تجربته قائلاً إنه عاد إلى منزله قبل أيام ليجد بابه مخلوعاً، من دون أن يُسرق شيء. يرجّح أن اللص تفاجأ بعودة أحد السكان، أو أنه كان يخطط للسرقة لاحقاً. “أخذت ما استطعت حمله، وتركت الباقي”، يقول، مضيفاً أن الظروف الأمنية تمنع حتى اتخاذ إجراءات وقائية كتركيب أبواب حديدية، في ظل غياب الحرفيين واستحالة دخولهم إلى مناطق مهددة بالقصف.
ويشير إلى أن السرقات لم تقتصر على المنازل، بل طالت موتيرات المياه وساعات الكهرباء، كما تعرّضت بيوت النواطير لسرقة محتويات أساسية كقوارير الغاز والمراوح. ورغم معرفة بعض الفاعلين، يتردد السكان في الإبلاغ خوفاً من نفوذهم العشائري وردود فعلهم.
إجراءات محدودة… وبدائل شعبية
في محاولة للحد من السرقات، عمد بعض الشبان إلى وضع بلوكات إسمنتية على مداخل الأحياء لمنع دخول السيارات التي قد تُستخدم لنقل المسروقات، خصوصاً الحديد والخردة. كما تعمل شرطة بلدية اتحاد بلديات الضاحية على تسيير دوريات، لا سيما في مناطق مثل حارة حريك، إضافة إلى اتخاذ إجراءات لمنع جمع المعادن من الطرقات أو من داخل الأبنية المتضررة.
ووفق مصدر رسمي في قوى الأمن الداخلي لـِ “المدن”، تم تسجيل عدد من السرقات، لكنها أقل مقارنة بالحرب السابقة، مع الإشارة إلى وجود دوريات أمنية، وإن بشكل محدود. في المقابل، يؤكد مصدر رسمي في شرطة البلدية لـِ “المدن” أن ضبط بعض اللصوص يتم بالفعل، لكن الواقع لا يزال يتطلب إجراءات أكثر صرامة، خصوصاً في ظل غياب شبه كامل للقوى الأمنية في بعض الأحياء، وهذا ما يفسح المجال أمام اللجان الأهلية لتولي زمام الأمور.
بين الخوف والفوضى… من يحمي ما تبقّى؟
تعكس ظاهرة السرقات في الضاحية الجنوبية وجهاً آخر للحرب، لا يقل قسوة عن القصف نفسه. فبين بيوت مهدمة وأحياء شبه خالية، تتحول الممتلكات إلى غنائم سهلة، فيما يجد السكان أنفسهم أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما البقاء تحت التهديد لحماية أرزاقهم، أو المغادرة وتركها لمصير مجهول.
وفي ظل هذا الواقع، تبدو “عدالة العواميد” مؤشراً خطيراً على انزلاق المجتمع نحو بدائل أمنية خارج إطار الدولة، وهذا ما يطرح تساؤلات جدية حول دور المؤسسات الرسمية وقدرتها على حماية المواطنين، ليس فقط من الحرب، بل من تداعياتها أيضاً.




