
كتبت دنيز رحمة فخري في independent arabia:
خلال جلسة التفاوض المباشر الأولى بين بيروت وتل أبيب، تمثل لبنان سفيرته في واشنطن ندى حمادة معوض، فيما يحضر عن الجانب الإسرائيلي سفيره أيضاً يحيئيل لايتر، ويتولى السفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى دور الوسيط الميسر. وسيحضر وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو جزءاً من الاجتماع في إشارة رمزية إلى أهمية الحدث بالنسبة إلى الولايات المتحدة الأميركية، التي تريد إنجازاً بعد عدم نجاح أول جلسة من مفاوضات إسلام آباد بين واشنطن وطهران.
في الساعة الـ11 من قبل ظهر اليوم بتوقيت واشنطن، السادسة مساءً بتوقيت بيروت، تفتح أبواب وزارة الخارجية الأميركية على مشهد لم يتوقعه كثيرون منذ عقود: لبنانيون وإسرائيليون في غرفة واحدة، على طاولة واحدة، برعاية أميركية مباشرة.
هذا الاجتماع الأول، والذي سيتابع تفاصيله كثيرون في الدول المعنية بصورة مباشرة، أي لبنان إسرائيل وأميركا، وأيضاً الدول المعنية بصورة غير مباشرة، هو غير واضح حتى إلى ماذا سيفضي، تحديد موعد لجلسة تفاوض جديدة، أو ربما لا شيء، لكنه بالتأكيد سيكون المسمار الأول في نعش حقبة طويلة من القطيعة والدم بين البلدين.
المفاوضات المباشرة مع إسرائيل قال عنها وزير الخارجية اللبنانية يوسف رجي لنظيره الألماني يوهان فاديفول قبل ساعات إنها كرست فعلياً فصل المسار بين الملف اللبناني والمسار الإيراني، إذ تشهد حالياً إيران مفاوضات مباشرة مع أميركا، لبنان لم يعد معنياً بها بصورة كبيرة بعد البدء بتفاوض مباشر مع إسرائيل. وشدد رجي على أن هذه المفاوضات في وزارة الخارجية الأميركية تؤكد أن الدولة اللبنانية تحتكر وحدها قرار التفاوض باسم لبنان، في رسالة واضحة تعيد تثبيت مبدأ السيادة الوطنية في قلب الدبلوماسية اللبنانية.
الوفدان بين الرمزية والتفاوض المحدود
خلال جلسة التفاوض المباشر الأولى بين بيروت وتل أبيب، تمثل لبنان سفيرته لدى واشنطن ندى حمادة معوض، فيما يحضر عن الجانب الإسرائيلي سفيره أيضاً يحيئيل لايتر، ويتولى السفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى دور الوسيط الميسر. وسيحضر وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو جزءاً من الاجتماع في إشارة رمزية إلى أهمية الحدث بالنسبة إلى الولايات المتحدة الأميركية، التي تريد إنجازاً بعد عدم نجاح أول جلسة من مفاوضات إسلام آباد بين واشنطن وطهران، وإلى إطلاق مسار يراد له أن يتعمق.
وتنفرد “اندبندنت عربية” بنشر معلومات خاصة عن اللقاء وما سيخرج، وفيها أن مدته ستكون نحو ساعة، وستكون هناك صورة رسمية منه توزع على الإعلام، أما الطاولة التي ستستضيف اللقاء فستكون على شكل U على أن يجلس الوفد اللبناني مواجهاً للوفد الإسرائيلي ويتوسطهما الأميركي. وتكشف مصادر دبلوماسية عن أنه لن يصدر بيان مشترك، على رغم أن الإسرائيليين طالبوا بذلك، إنما لبنان رفض الأمر، لذلك سيصدر بيانان منفصلان، الأول عن الرئاسة اللبنانية والثاني عن تل أبيب.
أما العنوان الأساس الذي ستركز عليه السفيرة اللبنانية ندى معوض فهو our sovereignty versus your security أي “سيادتنا مقابل أمنكم”، مما يكشف عن جانب كبير من مضمون الاجتماع، أي لبنان سيركز على الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان مقابل ضمان أمن الشمال الإسرائيلي، فيما يدرك الوفد اللبناني ألا وقف لإطلاق النار راهناً وقد يقبل العودة إلى اتفاق سبتمبر (أيلول) 2024 أو يذهب الطرفان لاتفاق جديد.
وتؤكد المصادر الدبلوماسية أخيراً أن مسألة التفاوض بين البلدين كانت بعلم وتنسيق مباشر بين الرئيس جوزاف عون والسفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى، فيما رئيس الحكومة نواف سلام لم يكن على علم مسبق بها، أما رئيس مجلس النواب نبيه بري فهو مواقف ضمناً عليها، لكنه لن يعلن ذلك بشكل مباشر.
وكان أمين عام “حزب الله” نعيم قاسم أعلن قبل ساعات رفضه المطلق لأية مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل، فيما لم يصدر أي بيان مماثل أو تصريح من عين التينة، مقر الرئاسة الثانية في لبنان أي رئاسة مجلس النواب.
اجتماع تحضيري وترقب لما سيحصل بعده
بالعودة إلى الحدث المرتقب خلال ساعات، الاجتماع المباشر الأول يكتسب صفة التحضيري، إذ إن السفيرة حمادة لم تكلف التفاوض بالمعنى الكامل للكلمة، بل بالتحضير له وبرسم ملامح إطاره. فالتفاوض الفعلي محجوز للسفير سيمون كرم، كما تؤكد مصادر دبلوماسية، الذي سيترأس الوفد اللبناني في المرحلة المقبلة، مدعوماً بفريق تقني يحدد تشكيله وفق الملفات الموضوعة على الطاولة. في المقابل، ترجح المصادر أن إسرائيل لن تكلف وزير شؤونها الاستراتيجية رون ديرمر رئاسة وفدها التفاوضي للمرحلة المقبلة، كما تم التداول سابقاً، من دون الإفصاح عن البديل.
وقد سبق الاجتماع المرتقب، اتصال هاتفي قبل أيام مشترك جمع السفراء الثلاثة، أي معوض وعيسى ولايتر، وأتى تحضيراً للتفاوض المباشر بين تل أبيب وبيروت.
الأولويات المتضاربة
يأتي كل طرف إلى الطاولة بأجندة مختلفة في جوهرها. فلبنان يضع وقف إطلاق النار على رأس أولوياته، مطالباً بهدنة لفترة زمنية محددة تطلق خلالها المفاوضات الفعلية، وبتأكيد سيادته الكاملة على أراضيه عبر انسحاب إسرائيلي من كل الأراضي المحتلة، والتي تضاعفت في الحرب الحالية، إضافة إلى معالجة النقاط الخلافية في ترسيم الحدود البرية.
أما إسرائيل، فهي ترسم مطالبها خلال المفاوضات وفق مسارين، مسار أول يتمثل بمطلبين اثنين كبيرين، الأول الوصول إلى اتفاق سلام مع لبنان يدوم لأجيال، والثاني أن يتم سحب سلاح “حزب الله” بصورة تامة، وهو ما صرح به رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بنفسه قبل يومين.
في المقابل نشرت تقارير إعلامية نقلاً عن مصادر دبلوماسية أن تل أبيب ستطرح أيضاً في الاجتماع التحضيري أو في مرحلة مقبلة من التفاوض أربعة مطالب إضافية ضمن المسار الثاني، وهي أولاً إقالة قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل، وإقالة وزراء “حزب الله” من الحكومة اللبنانية، وتجفيف مصادر تمويل الحزب وإقفال وتفكيك كل المؤسسات والجمعيات التابعة له، وإصدار مذكرات توقيف في حق قادته. فيما لم يصدر أي تعليق رسمي من بيروت على هذه المطالب الأربعة التي تم التداول بها إعلامياً.
17 مايو 1983… اتفاق سلام منسي فهل ظلم التاريخ أمين الجميل؟
ومقابل مطلب لبنان بوقف إطلاق النار، تعرض إسرائيل وقف التصعيد فحسب، مع احتفاظها بالحق في التحرك في أي نقطة متى رصدت ما تعده تهديداً من “حزب الله”. وهذا التباين يكشف عمق الهوة، إذ إن لبنان يريد ضمانات أمنية قبل الحديث عن السلاح، وإسرائيل ترفض ربط المسارين، وتؤكد أن عدم سحب للسلاح يعني لا مفاوضات.
وكشفت المصادر الدبلوماسية في واشنطن أن البيان الصادر عن رئاسة الجمهورية اللبنانية إثر الاتصال الهاتفي التحضيري بين سفيري البلدين أثار استياءً إسرائيلياً واضحاً، حين أعلن أن اجتماع الثلاثاء سيبحث بإعلان وقف إطلاق النار وبموعد بدء التفاوض، مما دفع السفير الإسرائيلي إلى التأكيد فوراً أن الاجتماع مع نظيرته اللبنانية سيكون لمناقشة اتفاق سلام بين البلدين، من دون أية إشارة لوقف إطلاق النار.
ماذا قال سفير إسرائيل في أول اتصال؟
في الاتصال الهاتفي الثلاثي الذي حصل الجمعة، والذي شكل التواصل المباشر الأول بين لبنان وإسرائيل، أكد السفير الإسرائيلي أن هدف بلاده المعلن ينحصر في تأمين أمن مناطقها الشمالية، وترسيم الحدود البرية، والتوصل إلى تفاهم أمني. في المقابل تعترف المصادر الدبلوماسية الأميركية المطلعة بأن الحكومة اللبنانية والسلطة السياسية تمتلكان “نوايا جيدة”، لكن القدرة على التنفيذ “ضعيفة جداً”. هذا الاعتراف يكشف عن المعضلة البنيوية التي تواجه أي تسوية، لبنان دولة لا تملك احتكار القوة على أراضيها، وهيمنة “حزب الله” على مؤسسات الدولة وعلى السلاح خارج إطارها تجعل أي تعهد لبناني موضع تساؤل جدي، بالتالي سيطالب الجانب الإسرائيلي خلال المفاوضات بخطوات عملية “تظهر جدية الدولة اللبنانية”.
وحتى الساعة، نجح لبنان في تكريس فصل مساره عن مسار إيران وسيبدأ في واشنطن مفاوضات مع إسرائيل على رغم اعتراض “حزب الله” على رفض التفاوض المباشر، وتراهن بيروت على الاهتمام الأميركي بتحقيق إنجاز دبلوماسي، لا سيما في ظل تراجع أي اتفاق قريب مع إيران، مما يعني حكماً أن الضغط الأميركي على لبنان لإنجاح مسار التفاوض مع إسرائيل قد يكون جزءاً من استراتيجية أشمل لمحاصرة إيران وتقليص نفوذها الإقليمي، بعيداً من الطاولة الدبلوماسية.
تاريخ التفاوض الإسرائيلي – اللبناني
على رغم العداء التاريخي وغياب أية علاقات دبلوماسية رسمية، شهدت العلاقة بين لبنان وإسرائيل محطات محدودة من التفاوض المباشر، غالباً بوساطات دولية وتحت عناوين أمنية أو تقنية. هذه اللقاءات بقيت استثناءً في سياق صراع طويل، لكنها شكلت نقاطاً مفصلية في إدارة النزاع.
أول هذه اللقاءات كان عام 1949، بعد أشهر من نكبة عام 1948 في فلسطين، وكان لبنان من أوائل الدول العربية التي دخلت في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، انتهت بتوقيع اتفاق الهدنة عام 1949 في رأس الناقورة برعاية الأمم المتحدة، وفي اتفاق الهدنة تم رسم الاتفاق خطوط وقف إطلاق النار، وشكل الإطار القانوني الوحيد للعلاقة الرسمية بين الطرفين لعقود.
بعد عقود طويلة، وخلال الحرب الأهلية اللبنانية (1975 – 1990)، وتحديداً في أعقاب الاجتياح الإسرائيلي للبنان، والذي وصل إلى العاصمة بيروت عام 1982، دخل الطرفان في مفاوضات مباشرة برعاية أميركية.
وقد أبرز اتفاق في الـ17 من مايو (أيار) عام 1983 بين حكومتي لبنان وإسرائيل، عرف باتفاق “17 أيار”، نص على ترتيبات أمنية وانسحاب إسرائيلي وعدم اعتداء بين البلدين وترتيبات اقتصادية وسياسية، لكن الاتفاق انهار عام 1984 تحت ضغط داخلي لبناني ورفض سوري، ولم يدخل حيز التنفيذ الكامل.
وما بعد هذا التاريخ لم يتفاوض اللبنانيون والإسرائيليون بصورة مباشرة لعقود طويلة، إنما كانت هناك جولات تفاوض غير مباشر أبرزها في أبريل (نيسان) 1996 عقب عملية “عناقيد الغضب” (عملية عسكرية إسرائيلية على لبنان)، والاتفاق تم عبر وسطاء فرنسيين وأميركيين، وشكل نموذجاً لإدارة النزاع دون حله. وهي التجربة نفسها تكررت بعد حرب يوليو (تموز) عام 2006، وقد بقيت هذه الاتصالات غير المباشرة بين لبنان وإسرائيل أمنية وتقنية، بعيداً من أي مسار سياسي شامل.
وأخيراً حصلت مفاوضات كانت نوعاً ما مباشرة بين عامي 2020 و2022 في منطقة الناقورة بحضور ورعاية أميركا عبر موفدها آموس هوكشتاين، بهدف ترسيم الحدود البحرية بين البلدين، وانتهت بتوقيع اتفاق ترسيم الحدود البحرية في أكتوبر (تشرين الأول) 2022، واعتبر الاتفاق إنجازاً تقنياً، لا سياسياً، إذ لم يتطرق إلى التطبيع أو السلام، ولم تكن هذه المفاوضات مشابهة لما حصل عام 1983، بل أتت في سياق مختلف تماماً.




