سلايداتمقالات

لبنان بعد الحرب: وطن يبقى أم مساحة تتآكل؟

كتب العميد الركن المتقاعد جوزف س.عبيد:

في خضم هذه الحرب القاسية، يقف اللبناني حائرًا بين الخوف على الحاضر والقلق على المستقبل، يتساءل بمرارة: ماذا سيبقى من هذا الوطن؟ وهل سيظل لبنان كما عرفناه، أم أننا أمام تحوّل عميق قد يطال جوهره لا حدوده فقط؟

الحقيقة التي يجب الاعتراف بها دون مواربة، أن هذه الحرب، مهما طالت، لن تُفضي إلى حسم عسكري حقيقي. فلا أحد قادر على إلغاء الآخر، ولا أحد قادر على فرض معادلة نهائية بالقوة. ما يحدث هو استنزاف مفتوح، يدفع ثمنه لبنان أولًا وأخيرًا: في أرواح أبنائه، وفي اقتصاده المنهك أصلًا، وفي ما تبقى من بنيته الهشة.

لكن الخطر الأكبر لا يكمن في الحرب بحد ذاتها، بل فيما سيأتي بعدها. فالتجارب اللبنانية السابقة علمتنا أن الحروب تنتهي دائمًا إلى تسويات، إلا أن الفارق اليوم أن الدولة أضعف من أي وقت مضى، والمجتمع أكثر انقسامًا، والانهيار الاقتصادي بلغ مستويات غير مسبوقة. وهذا ما يجعل مرحلة ما بعد الحرب أكثر خطورة من الحرب نفسها.

أما عن السؤال الذي يتردد في وجدان كل لبناني: هل سيبقى لبنان 10452 كلم مربع؟ فالجواب من حيث الشكل هو نعم، إذ لا مؤشرات جدية حتى الآن على تغيير في الحدود المعترف بها دوليًا. لكن الخطر الحقيقي ليس في تبدّل الخرائط، بل في تفكك الدولة من الداخل، وتحولها إلى مناطق نفوذ غير معلنة، حيث تبقى الحدود ثابتة على الورق، فيما تتآكل السيادة في الواقع.

إن لبنان قد يبقى كما هو جغرافيًا، لكنه مهدد بأن يفقد معناه كدولة واحدة جامعة. وهنا تكمن المأساة: أن يتحول الوطن إلى مجرد مساحة، لا إلى كيان حي يجمع أبناءه تحت سلطة واحدة وقانون واحد.

من هنا، لا بد من مواجهة الحقيقة: لا مخرج للبنان إلا بالعودة إلى منطق الدولة. أولًا، عبر وقف الانزلاق إلى حروب مفتوحة تُتخذ قراراتها خارج إطار الإجماع الوطني. وثانيًا، عبر العودة إلى السياسة، بما تعنيه من تفاوض وتسويات، مهما كانت صعبة أو غير شعبية. وثالثًا، عبر إعادة بناء الدولة من الداخل، بدءًا من القضاء، مرورًا بالمؤسسات الأمنية، وصولًا إلى اقتصاد منتج يعيد للناس كرامتهم.

لبنان اليوم أمام مفترق طرق حاسم. إما أن يستمر في هذا المسار الانحداري، حيث دولة ضعيفة، وهجرة متزايدة، وأزمات لا تنتهي، فيبقى موجودًا بالاسم لكنه يتآكل تدريجيًا. وإما أن يختار طريقًا مختلفًا، يقوم على تحييد نفسه عن صراعات الآخرين، وبناء دولة فعلية تستعيد ثقة شعبها والعالم بها.

في النهاية، لن يُمحى لبنان من الخريطة بسهولة، لكن الخطر الحقيقي أن يُفرغ من مضمونه. فالقضية لم تعد فقط في الحفاظ على 10452 كلم مربع، بل في الحفاظ على معنى الوطن نفسه.

لبنان لا يحتاج إلى انتصار عسكري بقدر ما يحتاج إلى قرار وطني شجاع يعيد تعريفه كدولة، لا كساحة. فإما أن يكون وطنًا لجميع أبنائه، أو يتحول تدريجيًا إلى مجرد أرض تتنازعها الإرادات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى