سلايدات

قاسم يختزل قرار المفاوضات بالوحدة الوطنية أو الإستسلام… القرار في يد الدولة نقطة انتهى!

كتبت جوانا فرحات في المركزية:

من يسمع خطاب أمين عام حزب الله نعيم قاسم أمس وعشية انطلاق المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية في مبنى وزارة الخارجية في واشنطن يتأكد أن محاولات الإنكار والإنفصال عن الواقع لا تزال سارية المفعول على رغم سقوط اكثر من 2000 قتيل من الحزب وبيئته وأكثر من 3000 جريح وتشريد مليون ونصف مواطن من منزله في قرى الجنوب والحبل على الجرار.

قد يصح القول أن اللبنانيين تعودوا أن يسمعوا كلاما يدعو إلى  “الوحدة الوطنية” في لحظات التوتر، لكن ما قاله نعيم قاسم يطرح سؤالًا أبعد من مجرد اختلاف في الرأي. فكيف يمكن لمن يتخذ قرارات مصيرية منفردة أن يتحوّل فجأة إلى داعية إجماع؟

مصادر سياسية واسعة الاطلاع تقول لـ”المركزية” :” في خطابه الأخير، لم يكتفِ قاسم بالتقليل من شأن المفاوضات الجارية في واشنطن، بل ذهب أبعد من ذلك باعتبارها مساراً  عقيماً لا يستحق الرهان. هذا الموقف، وبغضّ النظر عن تقييمه السياسي، يعكس ذهنية إقصائية ترى أن أي خيار خارج إطار “المقاومة” بلا قيمة. والأخطر من ذلك التناقض الصارخ بين هذا الطرح من جهة ودعوته إلى الوحدة الوطنية من جهة أخرى. فالوحدة الوطنية في معناها الحقيقي، ليست شعاراً “غب الطلب” يستعان به عند الحاجة، بل مساراً يبدأ بالشراكة في القرار، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالحرب والسلم. فكيف يمكن الحديث عن وحدة، بينما قرار الانخراط في حربي إسناد غزة وإيران اتُّخذ خارج مؤسسات الدولة، ومن دون العودة إلى اللبنانيين أو حتى إلى الحد الأدنى من التوافق السياسي؟ وأي وحدة هذه التي تطلب من الآخرين الإلتحاق بها بعد أن رُسمت مساراتها سلفًا؟”.

ما يقوله قاسم عمليًا، هو دعوة إلى الاصطفاف. والوحدة كما يطرحها تبدو أقرب إلى طلب تسليم جماعي برؤية طرف واحد، لا إلى بناء موقف وطني جامع. “وهنا تكمن المشكلة الجوهرية: تحويل مفهوم وطني جامع إلى أداة سياسية تُستخدم لتبرير قرارات أحادية”.

وتضيف المصادر، “ثم إن تجاهل المسار الدبلوماسي بشكل مطلق يضع لبنان في موقع أكثر هشاشة. فالدول لا تُدار فقط بالشعارات ولا بالميدان وحده، بل بتوازن دقيق بين السياسة والقوة. والتقليل من شأن المفاوضات لا يلغي وجودها، بل يعزل لبنان عن أي فرصة للتأثير فيها، ويجعل مصيره مرتبطا بحسابات إقليمية لا يملك السيطرة عليها. أضف إلى ذلك أن الوحدة الوطنية لا تُفرض بالقوة، ولا توضع على الطاولة للتشاور إذا صح القول لأن المطلوب “التصديق عليها” وفق عقيدة حزب الله أو يتم الإعلان عنها  بعد اتخاذ القرار،كما أنها لا تُختزل بولاء لمحور خارجي أو خيار عسكري، إنما هي تُبنى على قاعدة واضحة مفادها أن لا قرار مصيري خارج الدولة، ولا حرب من دون إجماع، ولا تمثيل لطرف واحد على حساب وطن بأكمله. من دون ذلك، تبقى كل دعوة إلى الوحدة مجرد خطاب، فيما الواقع يقول شيئًا آخر تمامًا”.

“هذا التفاوض إذعان واستسلام”. عبارة استوقفت المصادر كونها تُظهر جلياً التناقض بين الموقف السياسي والفعل في الميدان، وتثبت “أن النقاش السياسي حول خيار وطني ليس مشروعا في حسابات وثقافة الحزب السياسية إنما تصنيف أخلاقي حاد يُحوّل الرأي الوطني الآخر إلى موقع “الاستسلام”. وتضيف” عندما يقول قاسم “ندعو إلى موقف بطولي لإلغاء هذا التفاوض واستخدام عوامل القوة”هنا لا نتحدث عن وحدة تُبنى بين شركاء، بل عن دعوة صريحة للالتحاق بخيار واحد محدد سلفًا. والوحدة في هذا السياق لا تُناقش ولا تُصاغ، بل تُفرض كالتزام سياسي باتجاه واحد. أما الخطورة في كلامه فيتمثل بالدعوة إلى الإقصاء المباشر وذلك في قوله”من يفكر بالاستسلام فليستسلم لوحده ونحن لن نستسلم” هذه الجملة وحدها تكفي لإعادة رسم حدود “الوطنية” حيث يتم تصنيف اللبنانيين إلى فئتين، فئة مقاومة وأخرى محسوبة من خارج الجماعة الوطنية وموسومة بصفة الاستسلام. وهكذا تتحول الوحدة من إطار جامع إلى خط فاصل بين “نحن” و”الآخرين”.

وتختم المصادر” في وقت يُفترض أن تكون الدولة شريكًا في القرار، يُختزل دورها في الاتهام والتجريد من الشرعية، وبدل بناء الثقة مع المؤسسات، يتم تقديمها كطرف ضعيف أو متهاون، ما يضعف أساس أي وحدة وطنية حقيقية تقوم على الاعتراف المتبادل”.

واضح أن المشكلة لا تكمن في الدعوة إلى الوحدة بحد ذاتها، بل في مضمون هذه الوحدة التي يفترض وفق عقيدة “الوطنية” لدى قاسم والحزب مشروطة بالالتحاق لا بالشراكة، وبالاصطفاف لا بالتعددية. أيضا لم تعد المشكلة في خطاب هنا أو تصريح هناك، بل في معادلة تقوم على معادلة مجتزأة بين طرفين الأول يملك القدرة على اتخاذ القرار، وطرف آخر يُطلب منه التكيّف معه تحت عنوان الوحدة.

وبين “طرفي الوطنية”، تضيع فكرة الدولة الجامعة، وتتحول الوحدة الوطنية من مشروع سياسي إلى شعار يُستخدم عند الحاجة، ويُهمَل عند اتخاذ القرار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى