سلايدات

من يجهّز رصاصة السلام في لبنان؟

كتبت اليسا الهاشم:

ليس أخطر ما في مسارات السلام أنها تفشل، بل أن تُقتل وهي في ذروتها، برصاصة واحدة، أو بقرار واحد، من داخلها.
في الشرق الأوسط، السلام لا يموت طبيعياً، بل يُغتال.
اغتيال إسحاق رابين لم يكن مجرد رصاصة أنهت حياة رجل، بل رصاصة أنهت مسار سلام كامل كان على وشك أن يتحول إلى واقع. منذ ذلك اليوم، باتت كل عملية سلام تحمل في طياتها خوفاً مشروعاً: أن يظهر من الداخل أو الخارج من يقرر، في لحظة واحدة، تفجير كل شيء.
اليوم، ومع انطلاق المحادثات المباشرة بين لبنان وإسرائيل في واشنطن داخل وزارة الخارجية الأمريكية، لا يمكن تجاهل السؤال:
هل نحن أمام “لحظة رابين” لبنانية؟ أم أمام أحصنة طروادة متعددة… جمعتهم المصيبة؟
ما حصل لم يكن تفصيلاً دبلوماسياً. عدة دول حاولت الانضمام إلى المسار الذي تقوده الولايات المتحدة، بعضها بشكل مباشر وبعضها عبر مبادرات موازية، لكن القرار كان واضحاً: حصر العملية بإطار ثلاثي ومنع أي تعددية قد تتحول إلى أدوات تعطيل.
هنا تحديداً، قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو كلمته الفصل: هذا ليس مسار وقف إطلاق نار، بل عملية متكاملة نحو سلام مستدام وتطبيع دافئ. كلام لا يحتمل التأويل ولا يترك مساحة للعودة إلى الوراء. بمعنى آخر: القرار اتُخذ، والنقاش انتهى.
لكن هذا الوضوح الأمريكي فجّر ارتباكاً دولياً قبل ان يكون داخلياً.
فرنسا عبر إيمانويل ماكرون حاولت الحفاظ على دور، ومصر سارعت لطرح وساطات، وإلى جانبها المملكة المتحدة وألمانيا وتركيا، جميعها دفعت باتجاه خطاب واحد: خفض السقف، تحييد كلمة “سلام” وكأنها وباء مرعب.
لم يكن الحديث عن سلام أو تطبيع، بل عن وقف إطلاق نار أو تهدئة. بل إن بعض هذه الأطراف حاول ربط المسار اللبناني بمحادثات إسلام آباد، في محاولة واضحة لإبقائه ضمن السلة الإيرانية، أي تحت تأثير إيران وأذرعها. أي إبقاء لبنان رهينة، ولكن هذه المرة بغطاء دبلوماسي.
لكن الهدف هذه المرة مختلف جذرياً والقرار اتخذ: فصل لبنان عن هذا المحور بالكامل. والبيان المشترك الصادر بعد اجتماع واشنطن كان واضحاً إلى درجة غير مسبوقة، بلا غموض ولا عبارات رمادية.
خارجياً، يبدو المشهد كصراع نفوذ، أما داخلياً فهو معركة وجود. طبقة سياسية لبنانية كاملة، من مختلف الطوائف، بنت نفوذها على استمرارية الصراع، وتدرك أن السلام لا يعني فقط نهاية الحرب، بل نهاية دورها. لأن السلام، ببساطة، يُسقط أنظمة بُنيت على الخوف وعلى سرديات تتهاوى منذ “مغامرة السنوار” ذاك اليوم ٧ اكتوبر الشهير.
من رئيس حركة امل نبيه بري إلى غيره من أركان المنظومة من كل الملل والمذاهب من دون استثناء، تتوزع المواقف بين رفض مباشر وصمت مريب، لكن القاسم المشترك هو الخوف من اليوم التالي. تحرك بري باتجاه الرياض وإيفاد معاونه علي حسن خليل على وجه السرعة ليلاً ليس تفصيلًا، بل محاولة للتموضع أو التعطيل.
أما حزب الله، فهو الطرف الأكثر انكشافاً. يدرك أن ما يجري ليس مجرد تفاوض بل إعادة رسم للمنطقة، في ظل انتهاء دوره الاقليمي والعابر للحدود، واستمرار تدمير شبكاته الخارجية، وخنق مصادر تمويله، وعجز داعمه واولياء امره في طهران عن الاستمرار بضخ السلاح والمال. للمرة الأولى منذ عقود، المعركة ليست على النفوذ بل على البقاء.
محاولة “الأربعاء الأسود” لتعطيل المسار قبل الوصول إلى واشنطن فشلت، لكن من غير الواقعي الاعتقاد أن المحاولات انتهت.
في المقابل، لا تزال الدولة اللبنانية في موقع ملتبس. الرئيس جوزيف عون أطلق مبادرته وسمّى السفيرة ندى حمادة لترؤس وفد لبنان في اجتماع الامس، لكن الأسئلة الحاسمة لا تزال بلا جواب: هل سيتم تنفيذ القرارات؟ هل سيُعطى الجيش اللبناني الضوء الأخضر لفرض السيادة؟ وهل سيتم نزع السلاح؟
في هذا السياق، يبرز موقف السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام كما ورد، والذي حمل رسالة واضحة تجمع بين التفاؤل الحذر والتشكيك بقدرة الدولة اللبنانية على أن تكون شريكاً فعلياً، خصوصاً في ما يتعلق بملف سلاح حزب الله ودور الجيش.
ورغم كل ذلك، حملت أجواء واشنطن شيئاً غير مألوف: تفاهم سريع، انسجام مبكر، وإيجابية تكاد تكون أكثر مما ينبغي. وهنا تحديداً يبدأ الخطر، لأن كل “لحظة رابين” تبدأ عندما يبدو السلام ممكناً والجولة الثانية قريبةً جدّاً.
اليوم، لا نواجه خطر رصاصة واحدة، بل احتمال عدة أحصنة طروادة: دول مستبعدة، قوى إقليمية خاسرة، طبقة سياسية مهددة، وتنظيم مسلح يرى نهايته تقترب. جميعهم، رغم اختلافاتهم، قد يلتقون عند نقطة واحدة- تفجير المسار.
السؤال لم يعد هل هناك خطر، بل من يجهّز رصاصة السلام… ومن سيطلقها أولًا؟ وهل ستتمكن واشنطن من تأمين العبور؟
الساعات المقبلة ليست عادية. بل حاسمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى