
كتب سعد شعنين:
خلال أكثر من أربعة عقود، تشكّل في لبنان مسار سياسي وأمني معقّد، ارتبط فيه حضور إيران بشكل مباشر عبر شبكة من التحالفات، كان أبرزها دور حزب الله الذي تحوّل إلى لاعب أساسي في القرار الداخلي، لا سيما في الملفات الكبرى المرتبطة بالحرب والسلم والتفاوض.
هذا الواقع أنتج، عملياً، حالة من ازدواجية القرار، حيث لم تعد الدولة اللبنانية المرجع الوحيد في القضايا السيادية، بل باتت القرارات تتأثر بتوازنات تتجاوز مؤسساتها، وتخضع في محطات عديدة لمعادلات إقليمية فرضت نفسها على الداخل.
لكن في المرحلة الأخيرة، برز تحول سياسي لافت، يُقرأ على أنه انتقال تدريجي نحو استعادة الدولة لقرارها السيادي. هذا التحول لم يكن لحظة مفاجئة بقدر ما هو نتيجة تراكمات داخلية وخارجية، أعادت الاعتبار لمؤسسات الدولة بوصفها المرجع الوحيد في القضايا المصيرية.
في هذا السياق، بدأ يتكرّس مبدأ أساسيّ داخل الخطاب الرسمي للدولة، يقوم على أن قرار الحرب والسلم، وقرار التفاوض باسم لبنان، يجب أن يكون حصراً بيد المؤسسات الدستورية، من دون أي إملاءات خارجية أو قنوات موازية. هذا التحول يعكس محاولة لإعادة ضبط العلاقة بين الدولة ومحيطها الداخلي، وبينها وبين التأثيرات الإقليمية التي كانت حاضرة بقوة في السنوات السابقة.
كما أن تبدل البيئة الإقليمية، إلى جانب الضغوط الاقتصادية والسياسية الداخلية، ساهم في تعزيز موقع الدولة كمركز قرار وحيد، في مقابل تراجع منطق “القرارات المتوازية” الذي كان سائداً في مراحل سابقة.
وبهذا المعنى، فإن ما يُوصف بأنه “تلاشي نفوذ” لا يُفهم كحدث فجائي أو انهيار لحظة واحدة، بل كتحول سريع في الاتجاه العام من واقع كانت فيه الدولة تتقاسم القرار، إلى مسار يُعيد تثبيت احتكارها للقرار السيادي.
فالمرحلة الجديدة لا تقوم فقط على تغيير في الخطاب، بل على إعادة تعريف مفهوم السيادة نفسه لا حرب تُقرر خارج الدولة، ولا سلم يُدار خارجها، ولا تفاوض يُفتح باسمها إلا من خلال مؤسساتها الشرعية.
ومع ذلك، يبقى هذا التحول في طور التشكل، لكنه يعبّر عن اتجاه واضح: عودة الدولة إلى موقعها الطبيعي كمرجعية وحيدة للقرار، بعد عقود من التداخل بين النفوذ الداخلي والتأثير الخارجي.
في المحصلة، قد لا يكون التعبير الأدق “سقوطاً كاملاً” بقدر ما هو إعادة تموضع سريعة في ميزان القوة، عنوانها الأبرز استعادة الدولة اللبنانية لقرارها السيادي.




