
كتب عبادة اللدن في أساس ميديا:
كان مفاجئاً أن يطلب “الحزب” من النازحين التمسّك بأماكن النزوح وعدم تسليمها، في موقف معاكس لما حدث صبيحة انتهاء حرب تمّوز 2006. حينها اعتبر الأمين العامّ لـ”الحزب” السيّد حسن نصرالله مشهد العودة أكبر مظاهر الانتصار.
كان الإعلان فاقعاً على لسان نائب رئيس المجلس السياسيّ في “الحزب” محمود قماطي، حين طلب من النازحين تفقّد منازلهم والعودة إلى مراكز النزوح، بغضّ النظر عن مدى تضرّر منازلهم وما إذا كانت صالحة للسكن أو لا. هذا يعني أنّ قرار استمرار النزوح مرتبط حصراً بالتقدير السياسيّ لـ”الحزب”. بذلك يتحوّل النزوح من ضرورة أمنيّة إلى قرار سياسيّ حزبيّ.
في المعطيات، تشتكي العديد من جهات الاستضافة من الممارسة الحزبيّة الفجّة في تنفيذ قرار استمرار النزوح. العديد من الأهالي عادوا إلى منازلهم، ووجدوها سليمة، لكنّ القرار الحزبيّ أدّى إلى إعادة أعداد منهم لحجز غرفٍ كان قد تمّ إخلاؤها بالفعل، حتّى مع بقاء أعداد النازحين العائدين إليها محدودة، بل ورمزيّة أحياناً. ينبري مسؤولون حزبيّون لإفهام مالكي تلك المراكز بالتي هي أحسن أنّ قرار انتهاء النزوح هو قرار يعود إلى “الحزب” وحده، ويسردون في هذا السياق أسباباً ترتبط بهشاشة وقف إطلاق النار وترقّب التطوّرات في المنطقة وخلاف ذلك.
كان مفاجئاً أن يطلب “الحزب” من النازحين التمسّك بأماكن النزوح وعدم تسليمها، في موقف معاكس لما حدث صبيحة انتهاء حرب تمّوز 2006
ورقة للمساومة؟
ثمّة تفسيرات متعدّدة لقرار “الحزب”:
- يرى “الحزب” الذي لم يشترك في مفاوضات وقف إطلاق النار أنّ الوضع القائم على الأرض حاليّاً يجسّد هزيمة عسكريّة لا ريب فيها، مع عودة إسرائيل إلى احتلال شريط حدوديّ وتوسيع منطقة الخطّ الأصفر ليشمل 55 قرية، وشمول منطقة بحريّة كبيرة به، بما ينسف سرديّة “الحزب” التي يبرّر بها الاحتفاظ بسلاحه خارج شرعيّة الدولة. وبالتالي ربّما يفضّل استمرار الحرب، ولو اسميّاً، على الاعتراف بـ”الستاتيكو” الجديد، لأنّ ما سيترتّب عليه في المعادلة الداخليّة كبير.
- ما يردّده بعض مسؤولي “الحزب” أنّ قرار تعليق العودة مرتبط بمصير المفاوضات الأميركيّة الإيرانيّة في إسلام آباد. ولذلك أبلغ بعض الحزبيّين مالكي أماكن النزوح بدايةً أنّ عليهم أن ينتظروا حتّى الأربعاء (باعتبار أنّ موعد الجولة الثانية في إسلام آباد مساء الثلاثاء)، ثمّ أبلغوهم بعد ذلك أن ينتظروا حتّى نهاية الأسبوع، ويعوّل “الحزب” على إمكانيّة أن تنتزع طهران من واشنطن شيئاً لتغيير شروط وقف إطلاق النار، بحيث تُلزم إدارة ترامب إسرائيل بالحدّ من حريّة التحرّك والتوغّلات والاغتيالات، كما كان عليه الحال في وقف إطلاق النار السابق.
- لحظة العودة هي لحظة مواجهة الواقع، ويبدو أنّ “الحزب” ليس جاهزاً لها الآن، خلافاً لما كان عليه الحال في 2006. في تلك الحرب قبل 20 عاماً، وصلت حقائب الأموال بعد ساعات من وقف إطلاق النار. وفي اللحظة التي كانت بيئة “الحزب” تعاين المباني المهدّمة، كانت المساعدات النقديّة جاهزة لاستيعاب ردّ الفعل. هذه المرّة، لا يجد كثيرٌ من أهل الجنوب سبيلاً للوصول إلى بيوتهم في الشريط الحدوديّ، وكثيرٌ منهم يرونها مدمّرة في الفيديوات المأساويّة التي ينفطر لها القلب. حتّى أولئك الذين يجدون سبيلاً لتفقّد بيوتهم ومحلّاتهم في الجنوب والضاحية والبقاع، لا يسمعون من “الحزب” العبارة الشهيرة التي سمعوها من نصرالله في 2006: “سنعيدها كما كانت”. وبذلك قد يكون قرار استمرار النزوح قراراً بتأجيل مواجهة الواقع، إلى حين رسم استراتيجية المرحلة المقبلة.
- أخطر التفسيرات، إن صحّت، أنّ “الحزب” ربّما يريد أن يُبقي النزوح ملفّاً مفتوحاً ليستخدمه في لعبة المواجهة الداخليّة، بحيث يصبح النزوح ورقة تتطلّب ثمناً لإنهائها، وقد يربطها بإعادة الإعمار أو مكتسبات أخرى.
تحدّي خصوم الدّاخل؟
الواضح في كلّ ما سبق أنّ “الحزب” يواجه صعوبة في مواجهة البيئة الشيعيّة بحقائق اليوم التالي للحرب. يبدو “الحزب” عاجزاً عن إقناعها بقدرته على دفع الاحتلال إلى خارج الحدود وحده، من خارج سلطان الدولة، ويبدو عاجزاً عن مواجهة آثار الحرب الماديّة والسياسيّة.
في حرب 2006، هبّت الدول العربيّة لتقديم المساعدات لإعادة الإعمار وإعانة البيئة المتضرّرة من آثار الحرب. مع ذلك، هيمن “الحزب” على إعادة الإعمار من خلال مشروع “وعد”، وزعم لنفسه الفضل في جلب المساعدات.
على أنّ ما لم يتغيّر بعد عشرين عاماً هو أنّ “الحزب” يهرب من الأسئلة الصعبة إلى شدّ العصب المذهبيّ. عام 2006، قال “الحزب” للشيعة إنّ الآخرين في البلد يريدون أن يعيدوهم عتّالين وماسحي أحذية ليجعل من السكوت على آثار الحرب فعل تحدٍّ لخصوم الداخل. في 2026، يكرّر “الحزب” اللعبة نفسها، فبدلاً من مواجهة الهزيمة، يقول “الحزب” للشيعة إنّ نقاشهم لخيارات “الحزب” السياسيّة ولارتباطه بإيران يخدم “أعداء الداخل”. يقفز “الحزب” فوق النقاش الصعب بجعل النقاش نفسه فعل خيانة!




