سلايدات

“الخط الأصفر” من لبنان إلى سوريا: الجنوبان تحت نار إسرائيل

كتبت بتول يزبك في المدن:

الخرائط تُرسم الآن.

في الجنوب اللبنانيّ، تتحرّك إسرائيل بوصفها قوّة تعيد تعريف الأرض وحدودها ووظيفتها السّياسيّة والأمنيّة. “الخطّ الأصفر” ليس تفصيلًا عسكريًّا في خطة “إسرائيل الكُبرى”، ولا مجرّد تسميةٍ ميدانيّةٍ للتداول. إنّه عنوان مرحلة كاملة.

هذه المرّة، لا تدور المسألة حول شريط حدوديّ ضيّق أو نقاطٍ متنازعٍ عليها. المسألة تتعلّق بمشروعٍ إسرائيليٍّ أوسع، يمتدّ من جنوب لبنان إلى الجنوب السّوريّ، ويقوم على وصل الساحات، وتوحيد المنطق الأمنيّ، وفرض حزامٍ عازلٍ طويلٍ ومفتوحٍ على التوسّع. هكذا يُمكننا فهم “الخطّ الأصفر”: إنّه خطّ دفاعٍ متقدّم، وخطّ نارٍ حرّة، وخطّ انطلاقٍ لعمليّاتٍ لاحقة، في آنٍ معًا.

منذ أن تحدّث بنيامين نتنياهو، في مقابلةٍ تلفزيونيّةٍ، عن “إسرائيل الكبرى”، عارضًا خريطةً قال إنّها تمثّلها، ومعبّرًا عن تأييده هذه الفكرة بوصفها “رسالةً تاريخيّةً وروحيّةً”، لم يعد ممكنًا فصل الخطاب الإسرائيليّ عن السّلوك الميدانيّ. فالمناخ الحاكم في إسرائيل اليوم، بما فيه من تطرّفٍ دينيٍّ وقوميّ، وبما يعتمل داخله من أزمات نتنياهو الشخصيّة والائتلافيّة، يدفع نحو مزيدٍ من الذهاب إلى الأمام، مستفيدًا من توازناتٍ إقليميّةٍ ودوليّةٍ يراها مؤاتية. إنّه مُخطّطٌ يريد إعادة تشكيل الطبيعة نفسها: الأرض، والبيئة، والحيّز البشريّ. وهذا ما ظهر في غزّة بفظاعةٍ كاملة، ويظهر اليوم، بدرجاتٍ مختلفة، في جنوب لبنان، وجنوب سوريا، كما في الضفّة الغربيّة حيث يتقدّم الضمّ الزاحف، وتتمدّد المصادرات، وتتّسع أدوات الخنق والإخضاع.

جنوبٌ على قياس الأمن الإسرائيليّ

في بيروت، ينشغل أركان الحكم بالنقاش حول “التفاوض المباشر” أو “غير المباشر” مع واشنطن. وعلى الأرض، ترسم إسرائيل وقائعها بصبر. وزير الأمن الإسرائيليّ يسرائيل كاتس قدّم، عمليًّا، تصوّرًا واضحًا لما يمكن تسميته “مثلّث السَّيطرة” في لبنان، مقسّمًا البلد إلى ثلاث طبقاتٍ أمنيّةٍ متفاوتة الوظائف، لكنّها تصبّ كلّها في هدفٍ واحد: إعادة ترتيب لبنان الجنوبيّ على قياس الأمن الإسرائيليّ.

الطبقة الأولى هي منطقة العشرة كيلومترات، أي “الخطّ الأصفر”. هنا تسعى إسرائيل إلى تحويل هذا العمق إلى مساحةٍ محرّمةٍ على اللبنانيّين أنفسهم: منع عودة السكّان، إبقاء قرى الحافّة الأماميّة خرابًا دائمًا، وفرض منطقةٍ عازلةٍ تحت عنوان “العمق الاستراتيجيّ”. في هذه المساحة، تصبح السّيادة اللبنانيّة نصًّا بلا أثر.

الطبقة الثانية هي “المجال الأمنيّ” حتّى الليطاني. المطلوب هنا نزع السلاح، وإخضاع المنطقة لمراقبةٍ جوّيّةٍ وتقنيّةٍ مستمرّة، بحيث يصير أيّ تحرّكٍ قابلًا للتوصيف الإسرائيليّ باعتباره “تهديدًا”، وأيّ هدفٍ قابلًا للضرب. والأخطر أنّ الدولة اللبنانيّة تُوضَع في موقع المكلّف بالتنفيذ، وتُحاسَب إن قصّرت، فيما تحتفظ إسرائيل بحقّ التدخّل المباشر بالنار.

أمّا الطبقة الثالثة، فهي بقيّة لبنان، حيث تريد تل أبيب نقل عبء الصدام إلى الداخل اللبنانيّ نفسه، عبر وضع ملفّ “تفكيك سلاح حزب الله” كاملًا في عهدة الدولة. والمعنى السياسيّ هنا بالغ الخطورة: إمّا أن تتحوّل الدولة إلى أداة تنفيذٍ لشروط إسرائيل، وإمّا أن يبقى الجنوب تحت الاحتلال والضغط العسكريّ المفتوح، مع احتفاظ تل أبيب بحقّ الضرب ساعة تشاء.

تسميةٌ تكشف المعنى

في حديثه لـِ “المدن”، يضع الخبير العسكريّ والاستراتيجيّ، العميد المتقاعد حسن جوني، الإصبع على دلالة التسمية نفسها. يقول جوني: “أُطلقت تسمية “الخطّ الأصفر” في جنوب لبنان، ويبدو أنّ هذه التسمية لم تُعتمد عبثًا، بل جرى اختيارها عمدًا لربطها بمفهوم “الخطّ الأصفر” في غزّة. وإلّا، لماذا اختير هذا الاسم تحديدًا؟ من هنا، يبدو أنّ المقصود هو إسقاط المفهوم نفسه على الحالة اللبنانيّة”.

بهذا المعنى، لا تبدو التسمية تفصيلًا لغويًّا، بل مفتاحًا سياسيًّا وعسكريًّا لفهم ما تريده إسرائيل. فالاسم مستعارٌ من تجربةٍ سابقة، والمفهوم يُنقل من ساحةٍ إلى أخرى، والمنطق نفسه يُعاد إنتاجه: خطّ انسحابٍ يتحوّل إلى خطّ أمنيّ، ومنطقةٌ مؤقّتةٌ تتحوّل إلى مجالٍ دائمٍ للنار والضبط والسيطرة.ويشرح جوني هذا التحوّل بالاستناد إلى ما جرى في غزّة: “في غزّة، كان الخطّ الأصفر يُفترض أن يكون خطّ انسحابٍ للمرحلة الأولى وفق التفاهم بين حركة حماس والجيش الإسرائيليّ. غير أنّه بعد تنفيذ الانسحاب في المرحلة الأولى، ومن دون استكمال متابعة التفاهم، عاد الإسرائيليّ إلى خرق الاتفاقات، كما حصل أيضًا في لبنان في العام 2024”.

ويضيف: “وبالتالي، تحوّل الخطّ الأصفر في غزّة، وفق ما أعلنه رئيس الأركان الإسرائيليّ إيال زمير، إلى خطّ حدودٍ أمنيّةٍ لإسرائيل. ومع هذا التحوّل، نشأت منطقةٌ واقعةٌ بين الحدود السياسيّة والحدود الأمنيّة، وجرت معاملتها بوصفها منطقةً عازلةً، بل ومنطقة نيرانٍ حرّةٍ أو منطقة إطلاق نارٍ حرّ. أي إنّ كلّ ما يتحرّك أو يوجد ضمن هذه المنطقة يصبح عرضةً للاستهداف بحجّة ارتباطه أو اقترابه من المحيط الإسرائيليّ”.

ثمّ يصل جوني إلى الخلاصة الأهمّ: “أمّا النقطة الثالثة، فهي أنّ الإسرائيليّ، بحسب هذا الفهم، ينظر إلى الخطّ الأصفر على أنّه خطّ دفاع، ولم يعد مجرّد خطّ انسحاب. فهو خطّ دفاعيٌّ محصّن، ومهيّأ أيضًا لأن يكون نقطة انطلاقٍ لعمليّاتٍ هجوميّةٍ إذا تقرّر توسيع العمليّات أو التوغّل أو الانتقال إلى هجماتٍ جديدة. ومن الواضح أنّ إسرائيل أرادت نقل هذا الفهم إلى لبنان من خلال اعتمادها التسمية نفسها: الخطّ الأصفر”.

التقدّم بالتقسيط

في قراءته للمشهد اللبنانيّ، يلفت جوني إلى أنّ إسرائيل لم تُنجز بعد هذا الخطّ بوصفه شريطًا متّصلًا ومكتملًا، لكنّها تعمل على تثبيته بالتدرّج، ومن دون تفجيرٍ شاملٍ لوقف إطلاق النار. يقول: “لكنّ الخطّ الأصفر في لبنان غير موجودٍ عمليًّا على الأرض بالشكل نفسه الموجود في غزّة. لماذا؟ لأنّ الوضع الميدانيّ، بعد وقف إطلاق النار، ما زال مختلفًا. فهناك مناطق يسيطر عليها الجيش الإسرائيليّ وقوّات الاحتلال، لكنّها لا تشكّل حتّى الآن حزامًا متّصلًا أو شريطًا متكاملًا أو منطقةً مكتملة البنية، بل لا تزال تحتاج إلى عمليّات تمشيطٍ وتثبيت”.

ويتابع: “وهنا يُطرح السؤال: هل يمكن أن تعود إسرائيل إلى القتال في لبنان لهذا السبب وحده؟ أم أنّها تعتبر أنّ وقف إطلاق النار يحقّق أهدافها؟ الجواب هو: لا، فهي ترى أنّها ما زالت تحتفظ بحرّيّة التدخّل والعمل العسكريّ، ولذلك تحاول الاستفادة من هذا الهامش، عبر تكتيكٍ يقوم على التوسّع التدريجيّ والتفجير الموضعيّ وعمليّات التمشيط بوتيرةٍ بطيئةٍ نسبيًّا، حتّى لا يظهر الأمر وكأنّه انهيارٌ كاملٌ لوقف إطلاق النار، مع السعي في الوقت نفسه إلى استكمال السَّيطرة على هذه المنطقة”.

هذه المقاربة تُفسّر السلوك الإسرائيليّ الحاليّ بدقّة: تثبيتٌ بطيء، تفجيرٌ موضعيّ، توسيعٌ متدرّج، وتجنّبٌ متعمّدٌ للخطوة التي تُسقط المشهد كلّه دفعةً واحدة. أي إنّ تل أبيب تعمل على استهلاك وقف إطلاق النار ميدانيًّا، من داخل نصّه ومن خارجه في الوقت نفسه.

ويقدّم جوني مثالًا بالغ الدلالة على صعوبة استكمال هذا المسار: “وخصوصًا، كما قال أفيخاي أدرعي، فإنّ المنطقة التي يُفترض أن يشملها الخطّ الأصفر نظريًّا لا تزال غير مكتملةٍ ميدانيًّا. وقد سبق أن أشرتُ إلى أنّ الخطّ الأصفر الذي أُعلن عنه وتحدّثوا عنه يمرّ عبر قلعة الشقيف وزوطر وأرنون. وهذه المنطقة ليست كلّها واقعةً تحت السَّيطرة الإسرائيليّة. والوصول إليها وفرض السَّيطرة عليها يحتاج إلى عملٍ عسكريٍّ كبير، لأنّه يتطلّب تنفيذ الخريطة التي يجري الحديث عنها”.

ويضيف: “بمعنى آخر، يمكن لإسرائيل أن تواصل العمل داخل بعض المناطق، عبر التفتيش وعمليّاتٍ محدودةٍ وتكتيكاتٍ ميدانيّة، من دون أن يبدو الأمر وكأنّه تنفيذٌ كاملٌ لخطّةٍ واسعة. لكنّ السَّيطرة على قلعة الشقيف كما ترد في الخريطة تبقى مسألةً أكبر بكثير، وتتطلّب تصعيدًا واضحًا. وهذا، بطبيعة الحال، قد ينسف وقف إطلاق النار ويفجّر الوضع من جديد. لذلك يبقى السؤال: كيف ستتعامل إسرائيل مع هذه المعضلة؟”.

خطٌّ يمتدّ إلى الجنوب السوريّ

القراءة الأخطر في كلام جوني تتعلّق بالامتداد الجغرافيّ لهذا الخطّ. فالمسألة، في نظره، لا تتوقّف عند قرى الجنوب اللبنانيّ، بل تتّصل مباشرةً بالوجود الإسرائيليّ في سوريا وبمحاولة ربط المنطقتين العازلتين في مسارٍ استراتيجيٍّ واحد. يقول: “هناك أيضًا نقطةٌ أخرى تتعلّق بالامتداد الجغرافيّ للخطّ الأصفر، إذ يبدو أنّه يمتدّ من لبنان باتّجاه سوريا تقريبًا. وهذا صحيحٌ إلى حدٍّ بعيد”.

هذا الامتداد لا يعبّر فقط عن طموحٍ جغرافيّ، بل عن رؤيةٍ أمنيّةٍ إسرائيليّةٍ موحّدة للساحتين اللبنانيّة والسوريّة. ومن هنا يلفت جوني إلى عنصرٍ أساسيٍّ في المشهد الميدانيّ: الغموض المحيط بمواقع مقاتلي “حزب الله” بعد وقف إطلاق النار. يقول: “وهنا تبرز مسألةٌ ثانيةٌ مهمّة: نحن اليوم لا نملك صورةً واضحةً عن مواقع مقاتلي حزب الله. فقد كانوا في حالة اشتباك، ولا سيّما في بنت جبيل، ثمّ فجأةً دخل وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ. فأين أصبح هؤلاء المقاتلون؟ وأين مواقعهم الآن؟ هذا سؤالٌ أساسيّ، لأنّ فهم الموقف الإسرائيليّ لاحقًا يرتبط بمعرفة ما إذا كانوا ما زالوا موجودين في الداخل، أم أعادوا التموضع، أم انسحبوا. فالمعطيات الميدانيّة ليست واضحةً، خصوصًا أنّ الاشتباك توقّف بشكلٍ مفاجئ، ولا أعتقد أنّ انسحابهم أو تراجعهم جرى بطريقةٍ ظاهرةٍ أو مكتملة”.

ثمّ يوسّع الدائرة أكثر: “أمّا بالنسبة إلى المفاوضات، فينبغي أوّلًا الإشارة إلى أمرٍ لافتٍ في هذه المنطقة العازلة والخطّ السفليّ، وهو أنّها تتّصل أيضًا بالوجود الإسرائيليّ في سوريا، أي بالاحتلال الإسرائيليّ من الجهة الشرقيّة. والأهمّ من ذلك أنّ هناك، وفق الخريطة المطروحة، تغلغلًا عميقًا في منطقة الحدود الشرقيّة للسلسلة الجبليّة الشرقيّة، بما يمنح إسرائيل قدرةً على التحكّم، إلى حدٍّ ما، بمساحةٍ واسعةٍ من البقاع الغربيّ، وربّما حتّى أجزاءٍ من البقاع الأوسط”.

ويحسم المعنى الاستراتيجيّ لهذه الصورة بقوله: “ومن الناحية العمليّة، فإنّ هذا القسم من المنطقة العازلة يتيح لإسرائيل ربط المنطقة العازلة في جنوب لبنان بالمنطقة العازلة في جنوب سوريا. وهذه نقطةٌ استراتيجيّةٌ بالغة الأهمّيّة”.

هنا، يتجاوز “الخطّ الأصفر” كونه ملفًّا لبنانيًّا صرفًا. إنّه جزءٌ من إعادة ترتيب المجال الحدوديّ الممتدّ بين لبنان وسوريا تحت إشراف النار الإسرائيليّة، وبهدف إنتاج وقائعٍ قابلةٍ للتحويل لاحقًا إلى حقائق تفاوضيّة وسياسيّة.

مأزق لبنان: دولتان في دولة

في الداخل اللبنانيّ، تبدو المشكلة أكثر تعقيدًا لأنّ المقاربة نفسها منقسمة بين منطقين متناقضين. يقول جوني: “أمّا في ما يخصّ المفاوضات، فيمكن القول إنّنا أمام نموذجين متناقضين في لبنان: النموذج الأوّل هو نموذج التفاوض والدبلوماسيّة، الذي تمثّله الدولة والحكومة ومؤسّساتها الرسميّة. والنموذج الثاني هو نموذج المواجهة العسكريّة”.

ويضيف: “صحيحٌ أنّ النموذجين يتفاعلان مع القضيّة نفسها، وهي الاحتلال الإسرائيليّ، لكنّهما متناقضان تمامًا في المقاربة والرؤية”.

هذا التناقض ليس تفصيلًا سياسيًّا داخليًّا، بل مأزقًا بنيويًّا ينعكس مباشرةً على قدرة لبنان على التعامل مع المشروع الإسرائيليّ. ويشرح جوني عمق هذا الانقسام بقوله: “أوّلًا، هناك تباينٌ جذريٌّ بين رؤية السّلطة اللبنانيّة ورؤية حزب الله. فالسّلطة تعتبر أنّ ما جرى هو في جانبٍ منه حرب الآخرين على أرض لبنان، ومن هذا المنطلق تختلف مقاربتها بالكامل لمفهوم التفاوض، ولمفهوم السّيادة، ولمعنى استعادة الأرض. أمّا حزب الله، فيفهم المسألة على أنّها تحريرٌ للأرض بالقوّة العسكريّة”.

ثمّ يتوقّف عند الفارق الدقيق بين “التحرير” و”التحرّر”، وهو فارقٌ يصيب جوهر السجال اللبنانيّ: “في المقابل، لا ترى الدولة أنّ القضيّة هي قضيّة “تحرير” بالمعنى العسكريّ المباشر، بل تعتبرها أقرب إلى مسألة تحرّر. وهذا فارقٌ مهمٌّ جدًّا. فحين تتحدّث الدولة عن “التحرّر”، فهي قد تعني التحرّر من الارتباك في الملفّات، أو التحرّر من تشابك الصراعات اللبنانيّة والإقليميّة، أو تحييد لبنان عن الانعكاسات المترتّبة على هذه الصراعات”.

ويختم جوني: “بمعنى آخر، الدولة لا تنظر إلى المسألة فقط بوصفها استعادة أرضٍ بالقوّة، بل بوصفها أيضًا محاولةً لتخليص لبنان من ورطةٍ كبرى يعيش داخلها. فنحن، في النهاية، عالقون في مأزقٍ كبير، وهذه هي المشكلة الأساسيّة”.

ما تفرضه إسرائيل قبل التفاوض

هذا كلّه يعني أنّ إسرائيل تتحرّك على أساسٍ واضح: فرض الوقائع أوّلًا، ثمّ الذهاب إلى التفاوض لاحقًا. الاجتماعات المعلنة في واشنطن، والحديث عن استكمال اللقاءات بين سفيري لبنان وإسرائيل، لا يغيّران جوهر المسار. تلّ أبيب تريد أنّ تصل إلى أيّ طاولةٍ وقد أنجزت ما تستطيع فرضه بالنار، وبالوقت، وبالخراب، وبالفراغ الذي تخلّفه خلفها.

هنا تحديدًا تكتسب المعركة على “الخطّ الأصفر” معناها الكامل. إنّها معركة على تعريف الحدود، وعلى وظيفة الجنوب، وعلى موقع الدولة اللبنانيّة نفسها. ففي اللحظة التي يتحوّل فيها هذا الخطّ إلى أمرٍ واقع، تكون إسرائيل قد انتزعت من لبنان أكثر من أرض: تكون قد انتزعت حقّه في تعريف أرضه وحدودها وشروط استعادتها.

“الخطّ الأصفر” هو الاسم الأوضح لهذه المرحلة: خطّ قضمٍ متدرّج، وخطّ ربطٍ بين جنوب لبنان والجنوب السوريّ، وخطّ اختبارٍ لقدرة لبنان على منع تحويل المؤقّت إلى دائم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى