
كتب صلاح سلام في اللواء:
في المقابل، يواصل حزب الله الرد بما تيسّر من قدرات صاروخية ومسيّرات، مستهدفاً المستعمرات الشمالية لإسرائيل، في محاولة لفرض «توازن ردع» يمنع العدو من تحقيق أهدافه الكاملة.
غير أن قراءة واقعية لمسار المواجهة تكشف أن أياً من الطرفين لا يمتلك القدرة على حسمها نهائياً. إسرائيل، رغم تفوقها العسكري الهائل، تبدو عاجزة عن إنهاء تهديد حزب الله، أو فرض معادلة أمنية مستقرة على الحدود، فيما يفتقر الحزب إلى القدرة على إلحاق هزيمة استراتيجية بإسرائيل، أو تغيير قواعد الاشتباك بشكل جذري. وهذا يعني أن المواجهة تحوّلت إلى استنزاف متبادل، يدفع ثمنه لبنان أولاً، من أرضه وبناه التحتية واقتصاده المنهك، الذي تضاعفت الضغوط عليه إثر موجات النزوح المتزايدة.
في هذا السياق، يبرز الضغط الذي يمارسه دونالد ترامب على تل أبيب كعامل حاسم في كبح اندفاعة التصعيد. فالإدارة الأميركية، المنشغلة بتعثر المفاوضات مع إيران وبترتيبات إقليمية أوسع، لا تبدو معنية بانفجار شامل على الجبهة اللبنانية، ويسعى ترامب شخصياً، عبر تواصله مع نتنياهو إلى إعادة توجيه المسار نحو التفاوض، باعتباره المدخل الأقل كلفة لضبط الحدود ومنع توسع الحرب.
هذا التوجه يتقاطع مع موقف الرئيس جوزاف عون الذي دعا بوضوح إلى وقف إطلاق النار قبل إستئناف المفاوضات، في محاولة لإعادة الإمساك بزمام المبادرة السياسية، ونقل المواجهة من الميدان إلى طاولة التفاوض. فالدولة اللبنانية، التي تجد نفسها محاصرة بين نار التصعيد الإسرائيلي وضغط الانقسام الداخلي، ترى في التهدئة فرصة لالتقاط الأنفاس، وتعزيز موقعها التفاوضي، واحتواء اعتراضات «الثنائي الشيعي» على خيار التفاوض المباشر.
لكن هذا المسار لا يخلو من تعقيدات. فحزب الله، الذي يربط سلوكه الميداني بحسابات إقليمية تصل إلى إيران، يرفض التجاوب مع توجهات الدولة في التفاوض ، خاصة في ظل استمرارية العدوان. كما أن إسرائيل تستخدم الضغط العسكري لتحسين شروطها التفاوضية، لا للذهاب إلى تسوية متوازنة.
وإستطراداً، تبدو المرحلة الحالية أقرب إلى «توازن عجز» منه إلى توازن قوة: لا حرب شاملة قادرة على الحسم، ولا سلام قريباً من التحقق. وبين هذين الحدين، تتحرك الدبلوماسية الإقليمية والدولية، مدفوعة بالضغط الأميركي، لفرض إيقاع تهدئة مرحلية تفتح الباب أمام مفاوضات قد تشكل المخرج الوحيد من دوامة العنف والاستنزاف.
ولكن نجاح هذا المسار يبقى رهناً بقدرة الدولة اللبنانية على توحيد موقف أطراف السلطة، ومعالجة التباعد الذي إستفحل بين الدولة وحزب الله على إيقاع الإتهامات المتبادلة، والتركيز على استثمار اللحظة الدولية الضاغطة، لتحويل التهدئة إلى فرصة سياسية، لا مجرد هدنة مؤقتة تسبق جولة جديدة من المواجهة العسكرية.
ما عدا ذلك، ستبقى المفاوضات أسيرة التصعيد و«توازن العجز».




