
كتب محمد سلام في هنا لبنان:
أرفع مرتبة تُطلق على الإعلاميين هي “فرسان الحقيقة” (Truth Knights)، وأخطر تحدٍّ يُواجه هذا المجد في العالم الثالث هو “السلطة الشموليّة أو التوتاليتاريّة” (Totalitarian Authority) بشقَّيْها: سلطة تحالف الفسادَيْن العام والخاص (Public-Private Sector corruption)، أو تحالف الأمر الواقع (Fait Accompli Alliance)، وهو الأخطر لأنّه يجمع تحالف الفسادَيْن مع الجريمة المنظّمة بكل أقذارهما التي تتراوح ما بين صناعة وترويج المخدرات إلى الإتجار بالبشر.
في السنوات الـ58 التي مرّت على لبنان منذ إقرار اتفاق القاهرة، الذي تنازلنا بموجبها عن سيادتنا لمنظمة التحرير الفلسطينية في العام 1969 حتّى الآن، عرفنا مُختلف أشكال وأصناف الفسادات التي أبعدت المهنة عن مرتبة “فرسان الحقيقة”، وأبعدت عاصمتنا بيروت عن مرتبة “عاصمة الإعلام العربي”؛ لأنّها لم تعد مقرًّا للمكاتب الإعلامية الإقليمية التي غادرتنا تباعًا إلى نيقوسيا والقاهرة ودبي، تاركةً أرض لبنان وفضاءه بؤرةً كلاميّةً تتخاطب مع الآخرين بالشتائم والأكاذيب، وتُروّج لعقيدة مقفلة على ذاتها لا تقبل إلّا مَن هو منها أو تابع لها خائنًا لأهله… ولذاته في آن.
لسوء حظّنا، شهدت فترة الـ58 عامًا صراعات عسكرية قسّمت المجتمع الإعلامي إلى شريحتَيْن من المراسلين الحربيّين: “المدموجين أو المحمولين” مع قوى الصّراع المسلّح (Embedded)، والمراسلين المُحايدين أو ما يُطلق عليهم أيضًا المستقلّين والأكثر اعتمادًا (Neutrals).
الفارق بين الفئتَيْن يعتمد على مدى التصاقهما بالتشكيلات المتحاربة أو بعدهما عنها، وبهذا يتميّز الحياديّون الذين يجنون الفخر في بيئات المتلقّين من قرّاء ومستمعين ومشاهدين، مقابل الكره والشكوك في نواياهم في بيئات المتقاتلين من نظاميّين وميليشياويّين على حدٍّ سواء. فمَن يسير خارج رضى السلطة، في نظرهم، هو مشكوك بأمره وقد يصنّف جاسوسًا أو عميلًا، عكس حكم المنطق الذي يفترض بالعميل أن يكون ابن البيئة التي يعمل ضدّها كي يتمكّن من الإساءة الموضوعيّة إليها، لا مجرّد متكاذب غوبلزي وِفق النظرية النازية القائمة على تكرار الأكاذيب حتى يتمّ تصديقها، أو المصرية أيّأم أحمد سعيد التي زعمت احتلال تلّ أبيب في حرب الـ67 فيما هُزمت فيها مصر وخسرت صحراء سيناء، أو العراقية التي كان وزير الإعلام محمد سعيد الصحّاف يزعم عبرها قهر “العلوج” أمام الكاميرات عند مدخل فندق فلسطين في بغداد، فيما كانت الدبّابات الأميركيّة مُحتشدة في الحديقة العامّة خلف سور الفندق، وقد شوهدت عبر كاميرا كانت موجّهة عن سطح فندق آخر قريب يشمل مشهد العاصمة العراقية كلها.
في الأيّام الأولى من شهر نيسان العام 2003 دخلت الدبّابات الأميركية إلى حديقةٍ عامةٍ قرب فندق فلسطين الذي كان الصحّاف يُطلق أكاذيبه من أمامه، وعلى سطح فندقٍ مُوازٍ كان يجلس إعلامي شاب قرب مولد كهربائي صغير يُشغّل كاميرا قريبة تشرف على مشهدٍ بانورامي للعاصمة العراقية.
شاهدت ذلك الزميل المتواجد مع المولد الكهربائي على السطح بين مسار صواريخ الدبابات الأميركية وصواريخ القوات العراقية، اتّصلت بالمسؤول عن توزيع المراسلين الذي يتحدّث العربيّة بلكنةٍ عراقيةٍ وقلت له بالحرف: “أول صاروخ حراري يُطلق من أي مصدر أميركي أو عراقي ستجذبه حرارة المولد الموجود على السطح، تصرّفوا قبل فوات الأوان”. وهذا ما حصل: صاروخ فجّر المولد وقضى زميل في مقتبل العمر لا أعرفه ولا أذكر اسمه ضحية وضعه بين نارَيْن من قبل جاهل يعتقد أنّ المراسل الحربي هو أي شخص تُلْصق على صدره وخوذته وظهره مفردة (PRESS) من دون أن يكون مسؤوله حائزًا على المعرفة والخبرة ومتمتّعًا بالحسّ الإنساني الذي يخوّله الحرص على طاقمه عملًا بالقاعدة الأخلاقية: “المراسل الحيّ أغلى من ملايين السبقات الصحافية”.
بالعودة إلى تقسيمات المراسلين الحربيين تحديدًا، يتبيّن أن المدموجين أو المحمولين تنطبع تقديراتهم بمستوى علاقتهم بالوحدة المقاتلة التي يتحرّكون معها ويتأثّرون بمقاتليها، نظاميين كانوا أم غير نظاميين، ما يدفع المتلقّين للشكّ في استنتاجاتهم واعتبارها مجرّد ترويج لما تريد سلطة الأمر الواقع تعميمه، بغضّ النظر عن جدواه ومصداقيته.
المُحايدون تحصد تقديراتهم احترام وتقدير المتلقّين، لكنّهم يدفعون أثمانًا غاليةً تفرضها عليهم سلطات الأمر الواقع، وتتراوح ما بين اضطهادهم “قضائيًّا” أو منع دخولهم إذا كانوا من الأجانب، وصولًا إلى اغتيالهم إذا كانت حقائقهم تسلّط أضواء على تورّط سلطات الأمر الواقع في عمليات قذرة، ليست أقلّها المشاركة في اغتيال قادة وطنيين كمعروف سعد في 6 آذار 1975، أو كمال جنبلاط في 16 آذار 1977، أو سمير قصير في 2 حزيران 2005، أو جورج حاوي في 21 حزيران 2005، أو الصحافي – النّائب جبران تويني في 12 كانون الأول 2005، أو ناشر مجلّة الحوادث سليم اللوزي الذي خُطف على طريق مطار بيروت ووُجدت جثته في 4 آذار 1980 بعد “تغطيس معصمه الأيمن في الأسيد وإظهار هيكل أصابعه” لكتابته مقالًا ضدّ نظام حافظ الأسد بعنوان “لماذا يكذب النظام”.
وخلال زحمة تحليلات مستقبل قرار وقف الأعمال العدائية بين إيران وأميركا، قصفت قطعة بحرية إسرائيلية بثلاثة صواريخ يوم أمس الأربعاء شقّةً في ضاحية بيروت الجنوبية قالت إنّها قتلت قائد قوّة الرّضوان في حزب السلاح الصفوي مالك بلّوط وبعض مساعديه.
وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد قطع جلسات محاكمته بتهم فساد لتلقّي رسائل أمنية سرّية تتطلّب إطلاعه وموافقته. ويُعتقد أن آخرها كان متعلقًا بالاغتيال الذي نفّذته البحرية الإسرائيلية في ضاحية بيروت الجنوبية يوم أمس، علمًا أنّ نتنياهو يتلقّى دعمًا قويًّا من اللوبي اليهودي الأميركي الأكثر قوة ونفوذًا في الولايات المتحدة الأميركية والمعروف باسم (AIPAC)، الذي يتجاوز نفوذه الحزب الجمهوري ليشمل الحزب الديمقراطي أيضًا.
تدعم “الأيباك” فكرة معاملة إيران وأذرعها في الدول العربية كما تمّ التعاطي مع حركة “حماس” في غزّة على قاعدة حظر وجودها كما بقيّة أذرع إيران في الدول الخليجية والعربية عمومًا. وكان الأمن السوري قد أعلن مؤخرًا عن ضبط مجموعة إرهابية تلقّت التدريب والتسليح من “حزب الله” في لبنان لتنفيذ عمليات تخريبية في سوريا، ما نفاه الحزب، كعادته.
علمًا أنّ الولايات المتحدة كانت قد أوقفت دعمها التقليدي للأكراد وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) لصالح دعم سلطة الرئيس أحمد الشرع التي تقود من سوريا التغيير الإقليمي الكبير في الشرق الأوسط، والذي يعمل على نقل المنطقة من حقبة حكم الأقلّيات إلى “حكم الأكثريات” الذي يصب في ما يعرف بـ “صلح أبراهام”، معتبرًا أن نظام “الولي الفقيه” يقع خارج النسيج الاجتماعي لعالم الشرق الأوسط العربي.




