سلايداتمقالات

ممرّات العالم… وخيط الاقتصاد الخفي…

كتب العميد الركن المتقاعد د جوزف س.عبيد:

ليست الممرّات البحرية في العالم مجرّد خطوطٍ على خرائط الجغرافيا، بل هي شرايين خفيّة يتحرّك عبرها نبض الاقتصاد العالمي، حيث لا تُقاس الأهمية بالمساحة، بل بحجم ما يمرّ من خلالها من طاقةٍ وسلعٍ ومصالح.
من مضيق هرمز إلى باب المندب، ومن قناة السويس إلى ملقا، تتكرّر الصورة ذاتها بأشكال مختلفة: نقاط اختناقٍ جغرافي تتحوّل في لحظات التوتر إلى أوراق ضغط، وفي لحظات الاستقرار إلى مسارات حياة للاقتصاد العالمي.
لكن خلف هذا المشهد المتكرّر، لا يبدو الصراع في جوهره صراع حدود أو شعارات، بقدر ما هو صراع على شيء أعمق وأكثر صمتًا: الاقتصاد، وما يتفرّع عنه من نفوذٍ وأسواقٍ وممرّات طاقة وسلاسل توريد.
في الماضي، كانت السيطرة على هذه الممرّات تعني التحكم بالتجارة.
وفي الحاضر، تعني التحكم بتدفّق الطاقة والسلع والاستقرار المالي.
أما في المستقبل، فهي ستعني التحكم بإيقاع العالم نفسه، حيث تصبح الحركة أهم من الأرض، والتدفق أهم من الحدود.
وهنا، يتقدّم “مضيق هرمز” ليس كموقعٍ فقط، بل كرمزٍ تتكثّف فيه هذه المعادلة.
حتى الاسم، في مستواه الإيحائي، يمكن تفكيكه كتعبير رمزي لا كتفسير لغوي: “هرّ” و”مِزّ”.
والـ”هرّ” هو القطّ الذكر في العربية، ويُستحضر هنا كصورة للخدش الخفيف المتكرّر؛ فعلٌ يترك أثرًا على السطح، يربك الإحساس للحظة، لكنه لا يذهب إلى القتل ولا إلى النهاية.
خدشٌ يُشعِر ولا يُنهي، ويُبقي الأثر قائمًا دون أن يكسر المشهد.
أما “المِزّ” فهو المرارة الحادّة في التذوّق؛ طعمٌ ثقيل يزعج الحلق ويُربك الإحساس، يُشعِر بالانزعاج ويترك أثره، لكنه لا يُميت ولا يُخرج التجربة من مسارها.
بين “هرٍّ” يخدش ولا يقتل، و”مِزٍّ” يُشعر ولا يُنهي، تتشكّل استعارة لحالة تتكرّر في هذه الممرّات:
أذى محسوب، توتر مضبوط، وإشارات تُرسل لتُقرأ أكثر مما تُنفّذ.
وفي كل مرة يُستحضر فيها هذا النوع من الضغط، لا يصل المشهد إلى نهايته القصوى، بل يتراجع قبل لحظة الانفجار، وكأن هناك سقفًا غير مرئي يمنع الانتقال من التهديد إلى الفعل الكامل.
وهكذا تتبدّى الممرّات البحرية كأنها ليست مجرد جغرافيا، بل عُقد في شبكة اقتصادية عالمية؛ أيّ خلل فيها ينعكس على الجميع، وأيّ تهديد لها يُستخدم كأداة تفاوض قبل أن يكون خيارًا للحسم.
في هذا السياق، يتكرّر النمط ذاته: تصعيد، ثم احتواء، ثم عودة إلى نقطة التوازن القلق.
ليس لأن الخيارات معدومة، بل لأن الكلفة أعلى من الرغبة في الذهاب حتى النهاية.
وفي المحصّلة، يبدو أن ما يحكم هذا العالم في ممرّاته الضيّقة ليس الصدام المفتوح، بل إدارة دقيقة لحافة الخطر.
حافةٌ يُخدش عندها المشهد بـ”هرٍّ” متكرّر، ويتذوّق عندها العالم “مِزًّا” دائمًا، من دون أن يتحوّل أيٌّ منهما إلى نهاية.
وخلف كل ذلك، يبقى الخيط الوحيد الذي لا ينقطع: الاقتصاد… الذي صنع هذه الممرّات، ويعيد تعريفها في كل لحظة بين الماضي والحاضر والمستقبل.
لكن الأهم من ذلك كلّه، أنّ المشهد برمّته لا يبدو كحدثٍ عفوي، بل كعملٍ طويلٍ مفتوح على الاحتمال.
كأنّ هناك كاتبًا يكتب التوتّر دون أن يمنحه خاتمة، ومخرجًا يدير الإيقاع بدقّة دون أن يجرؤ على إسدال الستارة.
فكلّ تصعيدٍ محسوب، وكلّ تراجعٍ محسوب، وكأنّ النهاية نفسها ليست جزءًا من النص، بل مؤجَّلة خارج إرادة المشهد.
وهكذا، يبقى العالم في هذه الممرّات كعرضٍ مستمرّ:
لا يكتمل، ولا ينكسر، ولا يُغلق… بل يُعاد إنتاجه كل مرة، بالخطاب نفسه، وبالقلق نفسه، وباحتمال النهاية الذي لا يأتي.
فهل هي الجغرافيا التي تُدار… أم النص الذي لم يُكتب له أن يُختتم؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى